MaLaaK
11-27-2005, 12:35 PM
[فقط الأعضاء المسجلين والمفعلين يمكنهم رؤية الوصلات]
أنهض باكرًا، ساعة اندحار الظلام أمام الفجر. وكم أعشق هذه اللحظات. ربما لأني أعشق الحياة.. وولادة النور من قلب العتمة.
في دارنا شرفة تحيط بها حديقة. وفي زاوية الشرفة كنبة مفروشة بفراش إسفنجي رقت حاله لكثرة الجلوس.
بجانب الكنبة طاولة خشبية حفر عليها تعاقب الفصول خطوطًا وتشققات. وبعض الكراسي مبعثرة دون ترتيب. تظلّل الزاوية شجرة تين كبيرة.
إنّه آب. الطقس حار جدًا. لم أستطع النوم. خرجت إلى الشرفة. ما زال الظلام يرخي سدوله. تحسست طريقي إلى الكنبة. وجلست.
تهب نسمات خفيفة، باردة قليلاً. المكان هادئ صامت. أبواب البيوت المجاورة مغلقة. معتمة. فقط صوت حفيف الورق.. والماء الصاعد في الصنبور. وهذه النسمات العليلة تشعرك بالحياة.
شيئًا فشيئًا بدأ نور الفجر يحتضن الأرض. يطل عليك ليغمرك ببهائه. هناك في الأفق البعيد حيث تلتقي الأرض بالسماء تحدث الولادة.
يعبق المكان برائحة الياسمين الذي لا ينثر عطره إلا في ساعات الفجر الأولى.. على مساحات الأثير، يستحم بها من تعانقت أرواحهم مع ملائكة الحق والحقيقة، يتعطر بها من صفت نفوسهم ونقت سريرتهم وتبعثرت خلجات قلوبهم باحثةً عن عاشقي الجمال والحب والطهر.
تبعثرت لتجمعها أشعة شمس آتية. توزعها على كل حبة تراب في وطننا الحبيب. حبة تراب احتضنت طفلاً قتلته رصاصة مستوطن غادر وارتوت من دم شهيد.
بدأ نور النهار ينتشر. والضوء يملا الأمكنة. بدأت الحياة تدب. الجيران يفتحون النوافذ والأبواب. سيارات العمال الذاهبين لتأمين لقمة العيش لعائلاتهم أخذت عجلاتها تصرصر على الإسفلت.
تمددت بكسل على الكنبة. وضعت رأسي على الوسادة. أغمضت عيني. لا أرغب بالنهوض. لو أن أحدًا يحضر لي فنجان قهوتي المفضل.
استرخيت وبدأ النعاس يداعب أجفاني.
- هلا أم مجيد. صباح الخير يا جارة. مستيقظة باكرًا كعادتك.
"هلا أهلاً جارة. كيفك؟"، أجبتها بتثاقل.
قالت بإصرار: "تعالي نشرب القهوة معًا! تعالي! هل سمعت البارحة ماذا حصل لصهرك؟".
نهضت واقفة ملهوفة. وضغط الدم ضرب مؤخرة راسي:
_ ماذا تقولين؟؟؟ ما به صهري؟؟؟ ماذا جرى له؟؟؟
- إى على مهلك! على مهلك! لا تجزعي! ليس صهرك صهرك، بل زوج ابنة قريبتك.
- بالله عليك، ما هذا الصباح؟ أوهكذا تنقل الأخبار؟ أفزعتني وهدّيت حالي.
تضحك ضحكة مجلجلة:
_ تعالي تعالي! لقد حضرت ركوة القهوة وسأخبرك بما صار.
الجارة قريبة جدًا. الباب على الباب.
_ طيب، أنا اتيه.
ذهبت إليها وأنا أتسائل؟ ماذا جرى؟
جلسنا على كراسي من قش. من النوع الفخم. جارتي غنيه. زوجها تاجر. لكنها طيبة جدًا ومتواضعة وأنا أحبها.
_ ما بك؟ لماذا أسقيتني الخوف والفزع قبل القهوه؟ ألا تتغيرين! وتصبحين أكثر لباقة؟
_ استغربت أنك لم تسمعي. اعتقدتك تعلمين. أنت ممن يهتمون بالأمور العامة. فضلاً عن أنه قريبك.
_ قولي! ماذا جرى؟ أشعر بالقلق فعلاً.
_ ألم تسمعي عما فعله أزلام السلطة بتقطيع أشجار الكرز من بستان (....)؟
_ يا حرام، له عامان يتعب عليها ودفع دم قلبه ليصبح عنده أرض منتجة يعتاش منها. قصوا له الكرزات، قلت، وقد غمر الحزن والقهر قلبي.
حدثت نفسي: لِمَ الاستغراب؟ ألم يفعلوا هذا بفلان وفلان من قبل؟ ألم يقطعوا أشجار الكرز والتفاح والعنب من قبل؟ وأعاد الناس زراعتها من جيد؟ نزرع فيقطعون. ويقطعون فنزرع.
تنبهت لصوت جارتي تقول:
_ ما بك تحملقين في اللاشيء وتغرقين في لجة عميقة بعيدة سحيقة القرار؟ وكأنك لم تتعودي مثل هذه الأمور.
_ هذا هو الاحتلال، يا صديقتي. هذا هو. يحاول دائمًا أن يبدل بهجتنا وفرحنا إلى حزن وتعاسة. لكننا نعيش في أرضنا وعليها. ولن تكون إلا لنا. ماذا نقول عن الذين طردوا وشردوا ويعيشون في المخيمات لاجئين بعد ما كانوا ملوكًا في أرضهم؟
_ إشربي القهوة، اشربي! بلا أحسن من بلا. غدًا سيهب الجميع. جميع أهل القرية كالعادة ويزرعون الأرض من جديد.
كانت على غير عادتها تحكي بفلسفة. وقد اكتسى وجهها جدية ما عهدتها بها من قبل.
_ نعم نزرع فيقطعون. ويقطعون فنزرع. سيهزم الظلم يوما، كما يهزم الفجر فلول الظلام.
أنهض باكرًا، ساعة اندحار الظلام أمام الفجر. وكم أعشق هذه اللحظات. ربما لأني أعشق الحياة.. وولادة النور من قلب العتمة.
في دارنا شرفة تحيط بها حديقة. وفي زاوية الشرفة كنبة مفروشة بفراش إسفنجي رقت حاله لكثرة الجلوس.
بجانب الكنبة طاولة خشبية حفر عليها تعاقب الفصول خطوطًا وتشققات. وبعض الكراسي مبعثرة دون ترتيب. تظلّل الزاوية شجرة تين كبيرة.
إنّه آب. الطقس حار جدًا. لم أستطع النوم. خرجت إلى الشرفة. ما زال الظلام يرخي سدوله. تحسست طريقي إلى الكنبة. وجلست.
تهب نسمات خفيفة، باردة قليلاً. المكان هادئ صامت. أبواب البيوت المجاورة مغلقة. معتمة. فقط صوت حفيف الورق.. والماء الصاعد في الصنبور. وهذه النسمات العليلة تشعرك بالحياة.
شيئًا فشيئًا بدأ نور الفجر يحتضن الأرض. يطل عليك ليغمرك ببهائه. هناك في الأفق البعيد حيث تلتقي الأرض بالسماء تحدث الولادة.
يعبق المكان برائحة الياسمين الذي لا ينثر عطره إلا في ساعات الفجر الأولى.. على مساحات الأثير، يستحم بها من تعانقت أرواحهم مع ملائكة الحق والحقيقة، يتعطر بها من صفت نفوسهم ونقت سريرتهم وتبعثرت خلجات قلوبهم باحثةً عن عاشقي الجمال والحب والطهر.
تبعثرت لتجمعها أشعة شمس آتية. توزعها على كل حبة تراب في وطننا الحبيب. حبة تراب احتضنت طفلاً قتلته رصاصة مستوطن غادر وارتوت من دم شهيد.
بدأ نور النهار ينتشر. والضوء يملا الأمكنة. بدأت الحياة تدب. الجيران يفتحون النوافذ والأبواب. سيارات العمال الذاهبين لتأمين لقمة العيش لعائلاتهم أخذت عجلاتها تصرصر على الإسفلت.
تمددت بكسل على الكنبة. وضعت رأسي على الوسادة. أغمضت عيني. لا أرغب بالنهوض. لو أن أحدًا يحضر لي فنجان قهوتي المفضل.
استرخيت وبدأ النعاس يداعب أجفاني.
- هلا أم مجيد. صباح الخير يا جارة. مستيقظة باكرًا كعادتك.
"هلا أهلاً جارة. كيفك؟"، أجبتها بتثاقل.
قالت بإصرار: "تعالي نشرب القهوة معًا! تعالي! هل سمعت البارحة ماذا حصل لصهرك؟".
نهضت واقفة ملهوفة. وضغط الدم ضرب مؤخرة راسي:
_ ماذا تقولين؟؟؟ ما به صهري؟؟؟ ماذا جرى له؟؟؟
- إى على مهلك! على مهلك! لا تجزعي! ليس صهرك صهرك، بل زوج ابنة قريبتك.
- بالله عليك، ما هذا الصباح؟ أوهكذا تنقل الأخبار؟ أفزعتني وهدّيت حالي.
تضحك ضحكة مجلجلة:
_ تعالي تعالي! لقد حضرت ركوة القهوة وسأخبرك بما صار.
الجارة قريبة جدًا. الباب على الباب.
_ طيب، أنا اتيه.
ذهبت إليها وأنا أتسائل؟ ماذا جرى؟
جلسنا على كراسي من قش. من النوع الفخم. جارتي غنيه. زوجها تاجر. لكنها طيبة جدًا ومتواضعة وأنا أحبها.
_ ما بك؟ لماذا أسقيتني الخوف والفزع قبل القهوه؟ ألا تتغيرين! وتصبحين أكثر لباقة؟
_ استغربت أنك لم تسمعي. اعتقدتك تعلمين. أنت ممن يهتمون بالأمور العامة. فضلاً عن أنه قريبك.
_ قولي! ماذا جرى؟ أشعر بالقلق فعلاً.
_ ألم تسمعي عما فعله أزلام السلطة بتقطيع أشجار الكرز من بستان (....)؟
_ يا حرام، له عامان يتعب عليها ودفع دم قلبه ليصبح عنده أرض منتجة يعتاش منها. قصوا له الكرزات، قلت، وقد غمر الحزن والقهر قلبي.
حدثت نفسي: لِمَ الاستغراب؟ ألم يفعلوا هذا بفلان وفلان من قبل؟ ألم يقطعوا أشجار الكرز والتفاح والعنب من قبل؟ وأعاد الناس زراعتها من جيد؟ نزرع فيقطعون. ويقطعون فنزرع.
تنبهت لصوت جارتي تقول:
_ ما بك تحملقين في اللاشيء وتغرقين في لجة عميقة بعيدة سحيقة القرار؟ وكأنك لم تتعودي مثل هذه الأمور.
_ هذا هو الاحتلال، يا صديقتي. هذا هو. يحاول دائمًا أن يبدل بهجتنا وفرحنا إلى حزن وتعاسة. لكننا نعيش في أرضنا وعليها. ولن تكون إلا لنا. ماذا نقول عن الذين طردوا وشردوا ويعيشون في المخيمات لاجئين بعد ما كانوا ملوكًا في أرضهم؟
_ إشربي القهوة، اشربي! بلا أحسن من بلا. غدًا سيهب الجميع. جميع أهل القرية كالعادة ويزرعون الأرض من جديد.
كانت على غير عادتها تحكي بفلسفة. وقد اكتسى وجهها جدية ما عهدتها بها من قبل.
_ نعم نزرع فيقطعون. ويقطعون فنزرع. سيهزم الظلم يوما، كما يهزم الفجر فلول الظلام.