المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : أصول الإرهاب في التاريخ


MaLaaK
11-22-2005, 07:58 PM
[فقط الأعضاء المسجلين والمفعلين يمكنهم رؤية الوصلات]


اشتغلت معامل الفكر الأمريكية على امتداد الأعوام الأخيرة في صنع تاريخ جديد للإرهاب وغرسه في عقول الناس، حتى كاد يبدو أن جيلاً جديداً سوف ينشأ في الغرب، وكثير من دول الشرق، معتقداً أن الإرهاب لازمة من لوازم الدين الإسلامي وطبيعة ثانية لشعوب الشرق الأوسط. إذ يحصل الأطفال في المدارس الأمريكية على نصيب وافر من التلقين الذي يركز على أن الإرهاب قضية نشأت بسبب صحوة إسلامية غالى قادتها في أصوليتهم ونقلوا إلى صدارة ممارساتهم ما يحتويه الدين من نصوص ومبادئ تحرض على العنف ضد أعداء الدين. إلا أن سجل الإرهاب الذي لا يشير إليه صانعو الرأي والسياسة في أمريكا رصد من الوقائع والأحداث ما يثبت أن في التاريخ الجديد للإرهاب الذي تجري صياغته في الولايات المتحدة تجاوزات ومبالغات وتزويراً.

ليس صحيحاً أو دقيقاً ما يقال عن مجتمعات قابلة بطبيعتها لممارسة العنف، ومجتمعات أخرى لا تسلك مسالك العنف. لا يصح التعميم في قضية معقدة كهذه. يتردد مثلاً أن الظلم الواقع من الأغلبية على أقلية لابد أن يدفعها إلى استخدام العنف، كما لو كان العنف تطوراً دائم التوقع في المجتمعات متعددة الأعراق والطوائف. تشير تجربة إسبانيا إلى أنه في مجتمع واحد قد تلجأ أقلية مثل الباسك إلى العنف بينما تعيش أقلية أخرى مثل شعب كاتالان في وئام مع الأغلبية والأقليات الأخرى. ينطبق الحال نفسه على سيريلانكا حيث مارست أقلية التاميل العنف ضد الحكومة المركزية على امتداد سنين طويلة، في الوقت الذي لم تصدر فيه عن الأقلية المسلمة أي ممارسات تنم عن عنف أو رغبة فيه.

من ناحية أخرى لا يجوز التعميم في الحديث عن فشل كل حركات الإرهاب وقادتها أو نجاحهم في تحقيق أغراضهم، فقد نجحت حركة "ارجون" مع غيرها من حركات صهيونية مسلحة مارست أعمالاً إرهابية لإقامة دولة "إسرائيل"، ونجح مناحم بيجن في الوصول إلى رئاسة الوزارة، بينما فشلت الحركة التي تزعمها أوم شيرينكو في اليابان وانتهى به المقام في السجن، بعد محاولة قتل مئات الركاب في قطار تحت الأرض في طوكيو بالغاز السام. وهناك حركات إرهابية استمرت تمارس أعمالها حتى وصلت إلى مقاعد التفاوض ثم قدمت تنازلات وتوصلت إلى حلول وسط، وهو ما حدث في حالة حزب العمال الكردستاني، ولم يحدث، وقد لا يحدث، في حالة تنظيم القاعدة.

لا شيء - إلا القليل - يبدو مؤكداً في قضية الإرهاب. المؤكد مثلاً أن الإرهاب ليس مقصوراً على الإسلام كدين والمسلمين كشعوب. لدينا قائمة بأعمال إرهابية سبقت عملية برجي نيويورك ولحقتها ترصد الأعمال الإرهابية التي وقعت منذ عام 1995 عندما نسف راديكاليون أمريكيون مبنى الحكومة الفيدرالية في "أوكلاهوما سيتي" وسقط في العملية 168 قتيلاً. وفي مدينة أوماج بأيرلندا الشمالية انفجرت في 15/8/2003 سيارة ضخمة وبلغ عدد الضحايا من القتلى 229 شخصاً.

وفي أمريكا اللاتينية تعددت العمليات الإرهابية خلال عقد التسعينات وبخاصة في كولومبيا والإكوادور والبيرو ونيكاراجوا وبوليفيا وسقط عشرات الآلاف من المسلحين والفلاحين، وقد قامت إحدى الدوريات الأمريكية (ناشيونال جيوغرافيك) في عدد حديث بترتيب قائمة تضم أهم المنظمات التي يصفها الأمريكيون بالإرهابية وعدد أعضاء كل منها وأهدافها المباشرة.

وجاء على رأس القائمة بطبيعة الحال منظمة القاعدة ولم تذكر المجلة عدد أعضائها. ومن المنظمات الشهيرة في حقل الإرهاب جيش التحرير الوطني ELN في كولومبيا ويقوم بعمليات اختطاف وتفجير وابتزاز ويبلغ عدد أعضائه 3000 عضو، والقوات المسلحة الثورية لكولومبيا FARC تتمتع بعضوية تتجاوز 18000، وهي منظمة يسارية تنشط في أعمال التفجيرات والاختطاف والابتزاز والتجارة في المخدرات. وتأتي بعدها قوات الدفاع المتحدة لكولومبيا وهذه تختص بارتكاب المذابح وتجارة المخدرات، وهي عبارة عن ائتلاف يميني أنشئ في الأصل بدعم حكومي وأمريكي لمقاومة المنظمات اليسارية. وتضم القائمة منظمات في أوروبا كمنظمة الحرية والوطن الباسكي ETA وهذه تستخدم الاغتيالات والتفجيرات والابتزاز وأنشئت عام 1959 وغرضها تحقيق استقلال إقليم الباسك وتوحيد جزأيه الإسباني والفرنسي.

ورصدت المجلة منظمة "إسرائيلية" باسم "كاخ وكاهان آشاي" وهي المسؤولة عن قتل 25 فلسطينياً في الخليل عام 1992. وهناك نمور تحرير التاميل في سيريلانكا وتضم في عضويتها 15000 عضو ويميلون إلى أسلوب العمليات الانتحارية، وجماعة ريال إيرا Rira التي تعمل في أيرلندة الشمالية كجناح منشق على منظمة الجيش الجمهوري الأيرلندي، وتسعى لانفصال أيرلندة الشمالية عن بريطانيا وانضمامها إلى الجمهورية الأيرلندية، وفي مواجهتها قامت رابطة الدفاع عن ألستر UAD، بعضوية لا تتجاوز 200 شخص يقومون بالتفجيرات والتجارة في المخدرات، وهدفها الإبقاء على أيرلندة الشمالية تحت السلطة البريطانية.

أما الجماعات الإسلامية، إلى جانب القاعدة، فكثيرة. بعضها يسعى إلى الاستقلال مثل جيش محمد و"لاشكار آي طيبة" LET العاملتين ضد الهنود في كشمير، وحركات المقاومة الشيشانية العاملة ضد روسيا، وجماعة التحرير الإسلامية لمورو التي تسعى للاستقلال الذاتي عن الفلبين، وتوجد إلى جانبها مجموعة أبو سياف بأعضاء لا يزيد عددهم على 500 مقاتل وتسعى لإقامة دولة إسلامية في جنوب الفلبين. وتسعى منظمة PKK، أي حزب العمال الكردستاني إلى انفصال كردستان التركية ويزيد أعضاؤها على 5000 مقاتل يختبئون في جبال شمال العراق. ولا تنسى الدورية الأمريكية أن تضم إلى القائمة حزب الله وحركة حماس وجماعة المجاهدين الإسلامية في المغرب والجماعة السلفية للدعوة والقتال في الجزائر والحركة الإسلامية في أوزبكستان والجهاد الفلسطيني وعصبة الأنصار في لبنان.

المؤكد الثاني هو أن الإرهاب باق ما بقيت الإنسانية. بدأ مع بدايتها، وفي رأي آخر بدأ خارجها حين استخدمته الآلهة في العصور الوثنية في حروبها ضد بعضها بعضاً. نعرف الكثير عن العمليات الإرهابية التي كانت تمارسها الآلهة "حسب الأساطير" في عصور الفراعنة والإغريق وأراضي بابل. ونعرف الآن أن الآلهة التي كانت محل تقديس شعب المايا في أمريكا الجنوبية استخدمت الإرهاب ضد بعضها بعضاً وضد البشر وأن البشر كما في معظم المجتمعات القديمة استخدموا الإرهاب لاستعطاف الآلهة، فتقديم القرابين والتضحية بأعز ما يملكون في سبيل بعض المطر أو الخلاص من مرض أو طرد الشر والأشرار ليس إلا إرهاباً بما يتضمنه من ممارسات اغتيال وانتحار وترهيب لتحقيق أغراض معينة. نعرف أن فتاة مصرية كان يلقى بها في النيل قرباناً للآلهة للشكر على الفيضان. وقد عثر مؤخراً في أحد الكهوف في منطقة جبلية بجواتيمالا على بقايا 12 جثة لقرابين بشرية بينها عظام طفل وامرأة في سن العشرين يبدو أن كاهناً ذبحها وفتح صدرها ليخرج قلبها وأحشاءها، وتدل الكتابات على جدران الكهوف على أن القرابين قدمت للآلهة حين توقفت الأمطار عن الهطول لفترة طويلة جفت خلالها الأنهار والآبار، ونزل الشعب إلى أعماق بعيدة تحت الأرض وحفروا كهوفاً ليتوسلوا إلى الإلهة "شاك" لتسمح بسقوط المطر.

هناك في أحد هذه الكهوف العميقة التي اعتبرها شعب المايا مدخلهم إلى عالم الحياة السفلية عثر العلماء على تفاصيل قصة "المايا" عن أصل الخليقة، أي قصة التكوين. وتكشف القصة عن دور الإرهاب في التكوين. ومن دونه ما كانت الخليقة. يروي الكتاب المقدس للمايا Popol Uuh أن شقيقين توأماً اشتهرا بالمهارة في لعبة الكرة كانا يلعبان كعادتهما ذات يوم فأحدثا ضجيجاً أقلق الإلهين الأعظم فتحديا الشقيقين أن يدخلا ضدهما نزالاً حتى الموت.

وافق الشقيقان وانتصر الإلهان اللذان حملا جثتي التوأم ودفناهما تحت ملعب الكرة ثم أخذا رأس أحد الشقيقين وعلقاه على شجرة لها شكل الإنسان، تعرف حتى اليوم في المناطق الاستوائية في أمريكا الجنوبية بشجرة القرعية، وهي شجرة متعرشة ولها ثمار كالقرع. وذاع صيت هذه الشجرة والرأس المعلق عليها بين القرع، فذهبت إليها أميرة من سلالة الآلهة واقتربت من الرأس المعلق لأحد الشقيقين، فإذا بالرأس يبصق في يد الأميرة الإلهة. وبعدها حملت الأميرة توأماً. وعندما كبرا صارا لاعبي كرة كأبيهما وعمهما. عرفت الإلهة ببعث الشقيقين فتحدتهما مرة أخرى وذبحتهما وطحنت عظامهما وألقت بها في النهر. ولم يمض شهر إلا وولدا من جديد في شكل سمكة ثم في شكل بشر احترفا التمثيل والغناء والرقص وعادا للانتقام بعد أن أعدا خطة محكمة. قضت الخطة بأن يقدما ألعاباً مذهلة كأن يقوم أحد الشقيقين بذبح شقيقه أمام الإلهين، ثم إعادته كما كان بين دهشة الإلهين وإعجابهما إلى حد أنهما طلبا من الشقيقين ذبحهما وإعادتهما كما كانا. وبدأ الشقيقان ذبح الإلهين العدوين، وقطعا جثتيهما إرباً ثم رفضا إعادتهما كما كانا، فتحقق النصر النهائي للخير على الشر، وصارت الأرض جاهزة للتكوين. أما الشقيقان فقد صعدا إلى السماء صار أحدهما القمر والآخر الشمس كهدية إلى شعب المايا مع وعد لم يخلفاه، أن يعودا كل ليلة إلى الأرض السفلية، حيث الكهوف، ليحتفلا بنصرهما على إرهاب الآلهة.

لا ديانة قديمة ولا منظومة أساطير في العصور الأولى لم تأت بقصة مماثلة وإن اختلفت الأسماء والتفاصيل. فتقديم القرابين إرهاب، وتسليط العواصف إرهاب والطوفان على مواطن الخصوم إرهاب، وذبح الرموز الإلهية وتقطيع جسدها وبعثرتها فوق الجبال وفي مياه الأنهار كما في أساطير آلهة الفراعنة إرهاب. حرب الشر والخير في جبل أولمب حسب الأساطير الإغريقية كانت إرهاباً، فالشر في معظم التراث الإنساني استخدم الإرهاب ضد الخير، وعاد الخير لينتقم ويقضي على الشر باستخدام إرهاب مماثل.

الإرهاب باق، لأن الخير باق والشر ملازم له


[فقط الأعضاء المسجلين والمفعلين يمكنهم رؤية الوصلات]

المغترب
12-12-2005, 03:29 PM
شكرا ع الموضوع
تحياتي لكم