ابن غزة الصمود
11-17-2005, 01:48 AM
الشاعر الفلسطيني «هارون هاشم رشيد» من مواليد حارة الزيتون في غزة هاشم عام 1927، اسم ذو حضور خاص، اقترن بفلسطين وعذاباتها، فوقف شعره تارة على رؤوس اصابعه حزناً على فلسطين وقضية شعبه وتارة اخرى ممتشقاً قلباً لا يتوقف غضباً، وظل طوال نصف قرن وفياً لاختياره مخلصاً في تعبيره بالهم الفلسطيني من خلال تجربته كانسان ابعد عن وطنه ظلما، وعاش مآسي واحداثاً تقلبت على فلسطين خلال عمره المديد.
هارون هاشم رشيد من شعراء الخمسينيات الذين اطلق عليهم «شعراء النكبة» أو «شعراء المخيم» ويمتاز شعره بروح التمرد والثورة ويعد شاعرنا، شاعر القرار 194 كما وصفه الشاعر عزالدين المناصرة، فهو من اكثر الشعراء الفلسطينيين استعمالاً لمفردات العودة، العائد، العائدون.. وشاءت الاقدار لهذا الشاعر ان يتعايش ويصاحب اللاجئين منذ اللحظات الاولى لهذه المأساة النكبة، فتفجر شعر هارون من هذه التجربة، وولد ديوانه الاول «مع الغرباء» عام 1954 رصد فيه معاناة فقدان الوطن،
وتأثيرات النكبة وما خلفته، حتى ذهب بعض النقاد ومن كتبوا عنه الى اعتباره من مدينة يافا او من بئر السبع وهما مدينتان تم احتلالهما وتشريد اهلهما عام 1948 فقصائده تبدو وثيقة نفسية وانسانية ترصد ألم اللجوء وحياة المشردين، وحتى اليوم مازال يستلهم قصائده من الوان الحياة الفلسطينية، فقد اشبع دواوينه الاولى بموضوع اللاجئين والنكبة. ظل قريباً من الناس بعيداً عن النخبوية والمعارك الطاحنة بين القديم والجديد، بل ظل همه التعبير صريحاً عما يؤثر فيه، قريباً من هموم شعبه وامته.
اصدر هارون هاشم رشيد عشرين ديوانا شعرياً بين عامي 1954 ـ 2002 اضافة الى عدد من المسرحيات الشعرية التي اخرجت على المسرح وطافت عدداً من البلاد العربية، وشكلت احد روافد المسرح الملتزم، وجددت تقاليد المسرح الشعري والذي لم يعنى به إلا فئة قليلة من الشعراء.
هارون هاشم رشيد ابن الحقبة الناصرية ـ الذي يعتبر نفسه احد جنود هذه المرحلة الاوفياء حتى اللحظة ـ ومندوب فلسطين الدائم لدى جامعة الدول العربية، والعضو الدائم في اللجنة الاعلامية العربية، كرم بعدد كبير من الاوسمة ونال الجوائز، إلا ان اهم تكريم ناله المكانة العميقة التي احتلها في وجدان وقلوب الناس ممن اتصلوا بشعره او استمعوا اليه، فهو ليس من طلاب المجد ولا ينظر الى تكريم او احتفال، بل يقول كلمته ويمضي، املا ان تصل الى قلوب الناس وتفعل في وجدانهم.. بيان الثقافة التقاه في هذا الحوار:
ـ بداية هل لك ان تحدثنا عن طفولتك ونشأتك والظروف التي احاطت بهما؟
ـ الحياة والسيرة الذاتية لكل انسان فلسطيني متشابهة، وعندما اتحدث عن نفسي كأنني اتحدث عن اي فلسطيني، انا لست في تفاصيل الحياة الفلسطينية استثناء وشاءت لي الاقدار ان اعيش المأساة من أولها كما فعلت شريحة واسعة من كبار السن من الفلسطينيين، فمنذ الثلاثينيات والاحداث تتوالى، والفلسطيني ايا كان عمره ومكانه ومكانته، اندمج معها، حتى اصبحت جزءاً من كيانه وتفاعلاته الحياتية اليومية،
لقد اثرت هذه الاحداث على الصغار قبل الكبار حتى تمكنت من ان تنتزع منهم طفولتهم تماماً كما الاجيال التي تلت وعاصرت النكبة وغيرها وانتزعت منهم كل ما يحلم الأب ان يوفره لاطفاله من براءة ولعب بل وطفولة.
واذكر في عام 36 في احد ايام رمضان انني كنت مع مجموعة من الاطفال بالقرب من مسجد «الشمعة» نلعب في ساحة اسمها «باب الدارون» في حارة الزيتون بغزة، وقبيل اذان المغرب بقليل حيث اعتدنا على ذلك لقضاء الوقت حتى يحين موعد اذان المغرب لنذهب الى الافطار.. ولكن وقبل موعد الاذان مرت دورية بريطانية صغيرة بجانبنا، وفجأة ظهر خمسة ثوار، واطلقوا النار على الدورية وحدث اشتباك بينهم وبين افراد الدورية البريطانية اسفرت عن استشهاد اثنين من الثوار وجرح آخرين فيما تمكن الخامس من الفرار.
وبعد وقت قصير امتلأت الساحة بالمصفحات والمجنزرات وتعزيزات كبيرة من الجنود البريطانيين، فطوقوا المنطقة، وجمعوا الرجال في مسجد الشمعة، وكان والدي واخي الاكبر يتناولان طعام الافطار عند شقيقتي خارج الحارة، فنمت وبقية اهلي وحدنا في تلك الليلة.
اذكر تلك الليلة جيداً لقد اصبحت عتمتها وظلامها وطغيانها جزءاً مني واذكر كيف عانيت خلال هذه الليلة من الخوف والاضطراب.. وفي الصباح طلب منا الجنود البريطانيون مغادرة المنزل حيث قاموا بنسف عدد من البيوت المحيطة بالمنطقة، ومنذ تلك اللحظة ادركت ان هناك مخاطر تتهددني واسرتي وشعبي، ومنها ومن فجر تلك الليلة بدأ الالتزام، وشعرت انني خرجت فعلياً من دائرة الطفولة.
ـ لقد عايشت النكبة، ويطلقون عليك شاعر النكبة أو «شاعر القرار 194» لكثرة حديثك عن اللاجئين ومأساتهم.. كيف اثر هذا الحدث عليك؟ ـ لا استطيع ان انسى تلك اللحظات الصعبة والمأساوية، التي يهجر فيها شعب بأكمله من دياره الى الشتات، لقد عشت مأساة اللاجئين.. لم لا.. كنت في غزة وكنت احد المتطوعين للمساعدة في نقل وايواء اللاجئين وكان اللاجئون يصلون في مراكب تسمى الجرو.
واذكر كيف ان هذه المراكب لم تكن تستطيع الوصول الى الشاطيء فكان الصيادون يذهبون الى هذه المراكب في زوارقهم ويحضرون الاسر المهجرة الضائعة الى الشاطيء الذي يفتقر الى الميناء، نساء واطفال وعجزة وشباب وفتيات مشهد جحيمي.. كنت اشعر كم نحن وحيدون.
كنا نحمل هذه الاسر على اكتافنا الى الشاطيء ومن ثم نرسلها الى اماكن الايواء في المدارس والجوامع، وبعد ذلك شاءت الاقدار ان اعمل مع لجنة لشئون اللاجئين بطلب من ابن خالتي الذي كان عضوا فيها، ومنذ تلك اللحظة بدأت عمليا وبصورة يومية اعيش مع اللاجئين كل لحظات مأساتهم.
المعظم يشاهد صور خيام اللاجئين.. انا رأيتها وعشتها تشربت مأساتها لقد مكثوا فترة من الزمن في الخيام حتى جاءت وكالة الغوث وتم نقل اللاجئين الى معسكرات النصيرات والبريج والمغازي وهي في الاصل معسكرات للجيش لا تصلح للسكن.. وزاد تفهمي للهم الكبير الذي يسكن اللاجئين.
ـ كان لك علاقات حميمة بعدد كبير من الادباء والقادة والاعلاميين كيف اثرت هذه العلاقات على الشاعر هاشم هارون رشيد بخاصة في بدايات المشوار وانت توصف بأنك من جيل الخمسينيات في الشعر الفلسطيني؟ ـ لم اكن اتخيل في يوم ما انني سأصدر ديوانا شعرياً، فقبل صدور الديوان كانت لدي مجموعة من القصائد، وكنت على علاقة حميمية مع المرحوم صلاح خلف «ابو اياد» الذي كان يدرس حينها في القاهرة وكنت معجباً باستاذه الدكتور عبدالمنعم خفاجه ـ وهو من كبار الادباء والكتاب ـ وخلال احدى اجازات ابو اياد الذي يسكن في مكان قريب من بيتي في غرفة، قرأ بعض قصائدي وقال لي انه سيحملها الى القاهرة لنشرها. فقلت له هذا ملف بالقصائد خذه معك شريطة عدم نشرها إلا اذا اطلع عليه الدكتور عبدالمنعم خفاجه واجاز نشره.
وقبل ذلك كان اخذ مني قصيدة «الجولة الثانية» ونشرها في مجلة «المرابطة» واهداها الى رئيس رهط الجوالة حينذاك الأخ ياسر عرفات «ابو عمار» وعندما منحت وساماً عام 1990 القاها ابو عمار بصوته امام الجماهير.
نعود للحديث عن الديوان ففي القاهرة اطلع الدكتور عبدالمنعم ـ الذي كان عضوا في «رابطة الادب الحديث» على القصائد واعجب بها وقال الدكتور عبدالمنعم لابي اياد ان هذا الشاعر كبير.
وقرر الدكتور عبدالمنعم طباعة ديوان «مع الغرباء» حيث صدر عن رابطة الادب الحديث وكتبوا عليه شاعر فلسطين القومية، وقدم الدكتور عبدالمنعم خفاجة لهذا الديوان وكتب العديد من الادباء المعروفين حول هذا الديوان في مقدمتهم مصطفى السحرتي وعبدالله زكريا وغيرهم.
وتناولته صحف ومجلات وجرائد وكتبت عنه دراسات واسعة في غير مكان من الوطن العربي وتم اختيار عدد من القصائد التي غناها محمد فوزي وفيروز وكارم محمود وفايزة كامل وغيرهم.
وأول شخص كان لي علاقة معه في بداية النكبة كان محمد عبداللطيف عبدالله الذي اصدر رواية «لقيطة» فقرأت الرواية واعجبت فيها فكتبت تعليقا عليها وارسلتها له، فرد رسالة مطولة فتحت افقا بيني وبينه حتى التقيته عام 1958 في مهرجان شعري على هامش مؤتمر لاتحاد الكتاب العرب الذي كان منعقداً في الكويت.
وفي الكويت كان لي حضور لدرجة ان محمد مهدي الجواهري اراد رؤيتي وعندما قابلته قال لي: احتراماً لك سألقي قصيدة عن يافا.
وقد تعرفت على عدد كبير من الشعراء وتوطدت علاقاتي معهم، وفي القاهرة دخلت المجتمعات الادبية مبكراً، فكانت لي علاقات مع صلاح عبدالصبور ومعظم شعراء وأدباء هذا الجيل.
ـ أنت شاعر تكتب الشعر العمودي وشعر التفعيلة فما هي معايير القصيدة الناجحة لديك؟ ـ الشعر هو شعر عندما يخرج كشعر فالقصيدة الناجحة هي التي تعبر عن صدق الشعور، فالصدق شرط اساسي للشعر، وبقدر ارتقاء القصيدة الى مستوى الشعور باللحظة وتكثيفها وجدانياً بقدر ما تكون ناجحة.
والقصيدة الناجحة يتوفر فيها ايضا موسيقى الشعر، واذا خلت القصيدة من الموسيقى تعتبر نوعاً آخر من الكتابة.
ـ في هذا الاطار ما رأيك بقصيدة النثر التي يذهب البعض الى ان فيها نوعاً آخر من الموسيقى؟ ـ هذه القصيدة المزعومة هدفها الانقطاع عن التراث وخلع عباءة الانتماء وقطع الجذور وهذا مرفوض عند من يريد التمسك بهويته واصالته، واذا عدت الى بدايات هذه الحركة وما كشف حول الجهات الممولة لها، فنضع عند ذلك علامات استفهام كبيرة، فكسر واضعاف اللغة والنحو وشطب الوزن موجة مرفوضة ولا أؤمن بها بل اضع علامات استفهام كبيرة على مشروع قصيدة النثر منذ بداياته.
ـ في قصائدك تستخدم الشعر العمودي وشعر التفعيلة، ويبدو قبولك الاخير كامتداد للشعر العربي، مطوعاً اياه للتعبير عن مرادك؟ ـ نعم، انا لا اعد شعر التفعيلة خروجا، بل امتداد للشعر العربي ولموسيقاه الاصلية، فلم تخرج التفعيلة على شعر التراث، وانما هي جزء منه، وحركت هذه التفعيلة الايقاع واعطته مدى اوسع لذلك فهي تطور مقبول ما دام جوهر الايقاع موجوداً داخلها.
هارون هاشم رشيد من شعراء الخمسينيات الذين اطلق عليهم «شعراء النكبة» أو «شعراء المخيم» ويمتاز شعره بروح التمرد والثورة ويعد شاعرنا، شاعر القرار 194 كما وصفه الشاعر عزالدين المناصرة، فهو من اكثر الشعراء الفلسطينيين استعمالاً لمفردات العودة، العائد، العائدون.. وشاءت الاقدار لهذا الشاعر ان يتعايش ويصاحب اللاجئين منذ اللحظات الاولى لهذه المأساة النكبة، فتفجر شعر هارون من هذه التجربة، وولد ديوانه الاول «مع الغرباء» عام 1954 رصد فيه معاناة فقدان الوطن،
وتأثيرات النكبة وما خلفته، حتى ذهب بعض النقاد ومن كتبوا عنه الى اعتباره من مدينة يافا او من بئر السبع وهما مدينتان تم احتلالهما وتشريد اهلهما عام 1948 فقصائده تبدو وثيقة نفسية وانسانية ترصد ألم اللجوء وحياة المشردين، وحتى اليوم مازال يستلهم قصائده من الوان الحياة الفلسطينية، فقد اشبع دواوينه الاولى بموضوع اللاجئين والنكبة. ظل قريباً من الناس بعيداً عن النخبوية والمعارك الطاحنة بين القديم والجديد، بل ظل همه التعبير صريحاً عما يؤثر فيه، قريباً من هموم شعبه وامته.
اصدر هارون هاشم رشيد عشرين ديوانا شعرياً بين عامي 1954 ـ 2002 اضافة الى عدد من المسرحيات الشعرية التي اخرجت على المسرح وطافت عدداً من البلاد العربية، وشكلت احد روافد المسرح الملتزم، وجددت تقاليد المسرح الشعري والذي لم يعنى به إلا فئة قليلة من الشعراء.
هارون هاشم رشيد ابن الحقبة الناصرية ـ الذي يعتبر نفسه احد جنود هذه المرحلة الاوفياء حتى اللحظة ـ ومندوب فلسطين الدائم لدى جامعة الدول العربية، والعضو الدائم في اللجنة الاعلامية العربية، كرم بعدد كبير من الاوسمة ونال الجوائز، إلا ان اهم تكريم ناله المكانة العميقة التي احتلها في وجدان وقلوب الناس ممن اتصلوا بشعره او استمعوا اليه، فهو ليس من طلاب المجد ولا ينظر الى تكريم او احتفال، بل يقول كلمته ويمضي، املا ان تصل الى قلوب الناس وتفعل في وجدانهم.. بيان الثقافة التقاه في هذا الحوار:
ـ بداية هل لك ان تحدثنا عن طفولتك ونشأتك والظروف التي احاطت بهما؟
ـ الحياة والسيرة الذاتية لكل انسان فلسطيني متشابهة، وعندما اتحدث عن نفسي كأنني اتحدث عن اي فلسطيني، انا لست في تفاصيل الحياة الفلسطينية استثناء وشاءت لي الاقدار ان اعيش المأساة من أولها كما فعلت شريحة واسعة من كبار السن من الفلسطينيين، فمنذ الثلاثينيات والاحداث تتوالى، والفلسطيني ايا كان عمره ومكانه ومكانته، اندمج معها، حتى اصبحت جزءاً من كيانه وتفاعلاته الحياتية اليومية،
لقد اثرت هذه الاحداث على الصغار قبل الكبار حتى تمكنت من ان تنتزع منهم طفولتهم تماماً كما الاجيال التي تلت وعاصرت النكبة وغيرها وانتزعت منهم كل ما يحلم الأب ان يوفره لاطفاله من براءة ولعب بل وطفولة.
واذكر في عام 36 في احد ايام رمضان انني كنت مع مجموعة من الاطفال بالقرب من مسجد «الشمعة» نلعب في ساحة اسمها «باب الدارون» في حارة الزيتون بغزة، وقبيل اذان المغرب بقليل حيث اعتدنا على ذلك لقضاء الوقت حتى يحين موعد اذان المغرب لنذهب الى الافطار.. ولكن وقبل موعد الاذان مرت دورية بريطانية صغيرة بجانبنا، وفجأة ظهر خمسة ثوار، واطلقوا النار على الدورية وحدث اشتباك بينهم وبين افراد الدورية البريطانية اسفرت عن استشهاد اثنين من الثوار وجرح آخرين فيما تمكن الخامس من الفرار.
وبعد وقت قصير امتلأت الساحة بالمصفحات والمجنزرات وتعزيزات كبيرة من الجنود البريطانيين، فطوقوا المنطقة، وجمعوا الرجال في مسجد الشمعة، وكان والدي واخي الاكبر يتناولان طعام الافطار عند شقيقتي خارج الحارة، فنمت وبقية اهلي وحدنا في تلك الليلة.
اذكر تلك الليلة جيداً لقد اصبحت عتمتها وظلامها وطغيانها جزءاً مني واذكر كيف عانيت خلال هذه الليلة من الخوف والاضطراب.. وفي الصباح طلب منا الجنود البريطانيون مغادرة المنزل حيث قاموا بنسف عدد من البيوت المحيطة بالمنطقة، ومنذ تلك اللحظة ادركت ان هناك مخاطر تتهددني واسرتي وشعبي، ومنها ومن فجر تلك الليلة بدأ الالتزام، وشعرت انني خرجت فعلياً من دائرة الطفولة.
ـ لقد عايشت النكبة، ويطلقون عليك شاعر النكبة أو «شاعر القرار 194» لكثرة حديثك عن اللاجئين ومأساتهم.. كيف اثر هذا الحدث عليك؟ ـ لا استطيع ان انسى تلك اللحظات الصعبة والمأساوية، التي يهجر فيها شعب بأكمله من دياره الى الشتات، لقد عشت مأساة اللاجئين.. لم لا.. كنت في غزة وكنت احد المتطوعين للمساعدة في نقل وايواء اللاجئين وكان اللاجئون يصلون في مراكب تسمى الجرو.
واذكر كيف ان هذه المراكب لم تكن تستطيع الوصول الى الشاطيء فكان الصيادون يذهبون الى هذه المراكب في زوارقهم ويحضرون الاسر المهجرة الضائعة الى الشاطيء الذي يفتقر الى الميناء، نساء واطفال وعجزة وشباب وفتيات مشهد جحيمي.. كنت اشعر كم نحن وحيدون.
كنا نحمل هذه الاسر على اكتافنا الى الشاطيء ومن ثم نرسلها الى اماكن الايواء في المدارس والجوامع، وبعد ذلك شاءت الاقدار ان اعمل مع لجنة لشئون اللاجئين بطلب من ابن خالتي الذي كان عضوا فيها، ومنذ تلك اللحظة بدأت عمليا وبصورة يومية اعيش مع اللاجئين كل لحظات مأساتهم.
المعظم يشاهد صور خيام اللاجئين.. انا رأيتها وعشتها تشربت مأساتها لقد مكثوا فترة من الزمن في الخيام حتى جاءت وكالة الغوث وتم نقل اللاجئين الى معسكرات النصيرات والبريج والمغازي وهي في الاصل معسكرات للجيش لا تصلح للسكن.. وزاد تفهمي للهم الكبير الذي يسكن اللاجئين.
ـ كان لك علاقات حميمة بعدد كبير من الادباء والقادة والاعلاميين كيف اثرت هذه العلاقات على الشاعر هاشم هارون رشيد بخاصة في بدايات المشوار وانت توصف بأنك من جيل الخمسينيات في الشعر الفلسطيني؟ ـ لم اكن اتخيل في يوم ما انني سأصدر ديوانا شعرياً، فقبل صدور الديوان كانت لدي مجموعة من القصائد، وكنت على علاقة حميمية مع المرحوم صلاح خلف «ابو اياد» الذي كان يدرس حينها في القاهرة وكنت معجباً باستاذه الدكتور عبدالمنعم خفاجه ـ وهو من كبار الادباء والكتاب ـ وخلال احدى اجازات ابو اياد الذي يسكن في مكان قريب من بيتي في غرفة، قرأ بعض قصائدي وقال لي انه سيحملها الى القاهرة لنشرها. فقلت له هذا ملف بالقصائد خذه معك شريطة عدم نشرها إلا اذا اطلع عليه الدكتور عبدالمنعم خفاجه واجاز نشره.
وقبل ذلك كان اخذ مني قصيدة «الجولة الثانية» ونشرها في مجلة «المرابطة» واهداها الى رئيس رهط الجوالة حينذاك الأخ ياسر عرفات «ابو عمار» وعندما منحت وساماً عام 1990 القاها ابو عمار بصوته امام الجماهير.
نعود للحديث عن الديوان ففي القاهرة اطلع الدكتور عبدالمنعم ـ الذي كان عضوا في «رابطة الادب الحديث» على القصائد واعجب بها وقال الدكتور عبدالمنعم لابي اياد ان هذا الشاعر كبير.
وقرر الدكتور عبدالمنعم طباعة ديوان «مع الغرباء» حيث صدر عن رابطة الادب الحديث وكتبوا عليه شاعر فلسطين القومية، وقدم الدكتور عبدالمنعم خفاجة لهذا الديوان وكتب العديد من الادباء المعروفين حول هذا الديوان في مقدمتهم مصطفى السحرتي وعبدالله زكريا وغيرهم.
وتناولته صحف ومجلات وجرائد وكتبت عنه دراسات واسعة في غير مكان من الوطن العربي وتم اختيار عدد من القصائد التي غناها محمد فوزي وفيروز وكارم محمود وفايزة كامل وغيرهم.
وأول شخص كان لي علاقة معه في بداية النكبة كان محمد عبداللطيف عبدالله الذي اصدر رواية «لقيطة» فقرأت الرواية واعجبت فيها فكتبت تعليقا عليها وارسلتها له، فرد رسالة مطولة فتحت افقا بيني وبينه حتى التقيته عام 1958 في مهرجان شعري على هامش مؤتمر لاتحاد الكتاب العرب الذي كان منعقداً في الكويت.
وفي الكويت كان لي حضور لدرجة ان محمد مهدي الجواهري اراد رؤيتي وعندما قابلته قال لي: احتراماً لك سألقي قصيدة عن يافا.
وقد تعرفت على عدد كبير من الشعراء وتوطدت علاقاتي معهم، وفي القاهرة دخلت المجتمعات الادبية مبكراً، فكانت لي علاقات مع صلاح عبدالصبور ومعظم شعراء وأدباء هذا الجيل.
ـ أنت شاعر تكتب الشعر العمودي وشعر التفعيلة فما هي معايير القصيدة الناجحة لديك؟ ـ الشعر هو شعر عندما يخرج كشعر فالقصيدة الناجحة هي التي تعبر عن صدق الشعور، فالصدق شرط اساسي للشعر، وبقدر ارتقاء القصيدة الى مستوى الشعور باللحظة وتكثيفها وجدانياً بقدر ما تكون ناجحة.
والقصيدة الناجحة يتوفر فيها ايضا موسيقى الشعر، واذا خلت القصيدة من الموسيقى تعتبر نوعاً آخر من الكتابة.
ـ في هذا الاطار ما رأيك بقصيدة النثر التي يذهب البعض الى ان فيها نوعاً آخر من الموسيقى؟ ـ هذه القصيدة المزعومة هدفها الانقطاع عن التراث وخلع عباءة الانتماء وقطع الجذور وهذا مرفوض عند من يريد التمسك بهويته واصالته، واذا عدت الى بدايات هذه الحركة وما كشف حول الجهات الممولة لها، فنضع عند ذلك علامات استفهام كبيرة، فكسر واضعاف اللغة والنحو وشطب الوزن موجة مرفوضة ولا أؤمن بها بل اضع علامات استفهام كبيرة على مشروع قصيدة النثر منذ بداياته.
ـ في قصائدك تستخدم الشعر العمودي وشعر التفعيلة، ويبدو قبولك الاخير كامتداد للشعر العربي، مطوعاً اياه للتعبير عن مرادك؟ ـ نعم، انا لا اعد شعر التفعيلة خروجا، بل امتداد للشعر العربي ولموسيقاه الاصلية، فلم تخرج التفعيلة على شعر التراث، وانما هي جزء منه، وحركت هذه التفعيلة الايقاع واعطته مدى اوسع لذلك فهي تطور مقبول ما دام جوهر الايقاع موجوداً داخلها.