المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : منهج السلف في العقيدة وأثره في وحدة المسلمين


محمد السيد
11-10-2005, 03:36 PM
بسم الله الرحمن الرحيم

منهج السلف في العقيدة وأثره في وحدة المسلمين
للشيخ صالح بن سعد السحيمي


مقدمــــــة

إن الحمد لله نحمده ونستعينه ، ونستغفره ونتوب إليه ، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ، وسيئـات أعمالنا ، من يهد الله فلا مضل له ، ومن يضلل فلا هادي له ، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله ، أرسله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون ، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.

أما بعد:

الباعث على اختيار البحث:

فهذا جهد متواضع ، أُسهم به لبيان المنهج الذي كان عليه السلف الصالح في العقيدة ، ومدى مخالفة الناس لذلك المنهج ، مما فرق كلمة المسلمين وأضعف وحدتهم.



وجعلت عنوان البحث: ((منهج السلف في العقيدة وأثره في وحدة المسلمين)) ، وقد حملني على ذلك إهمال كثير من الباحثين لهذا الجانب ، أعني جانب العقيدة ، والذي هو العامل الأول ، والركيزة الأساسية التي ينبني عليها كيان المجتمع الإسلامي ، وتنضوي تحت لوائها صفوف المسلمين.

منها يستلهمون طريق وحدتهم ، وعلى ضوئها يشقون طريقهم إلى أعلى قمم المجد والعلى ، وبهداها ومبادئها القيمة يفتحون القلوب قبل أن يفتحوا الأمصار والأقطار ، ولقد كثرت المؤلفات والخطب والمحاضرات والمواعظ والندوات التي تنادي بوحدة المسلمين ، وجمع كلمتهم وتوحيد صفوفهم بالأساليب المتعددة ، وطرح الحلول الكثيرة ، لكن هذه الأساليب والحلول ، ناقصة وغير تامة نظراً لاهتمامها بالجوانب الفرعية فقط.

فنجد أن جماعة ممن يهتمون بعوامل التضامن الإسلامي يركزون جل اهتمامهم على الجانب السياسي ، ونجد جماعة أخرى تركز على الجانب الأخلاقي ، ونجد جماعة ثالثة تركز على جوانب الترغيب والترهيب والزهد والورع. وقلّ أن تجد من بين هؤلاء من يهتم بالجانب الأساسي والركن العظيم ، والذي هو الحصن الحصين ، والمنطبق المتين لجمع كلمة المسلمين ، ألا وهو عقيدة التوحيد الذي جمعنا الله به بعد الفرقة ، وألف بين قلوبنا بعد التمزق ، حتى أصبحنا به أمة واحدة ذات هدف واحد ومنطلق واحد ، وعقيدة واحدة ، هي مصدر عزتنا ، وعنوان سعادتنا ، ومناط وجودنا في هذه الحياة إنها عبادة الله الذي لا إله غيره ، ولا رب سواه إنه الهدف الأسمى ، والمقصد الأعلى الذي خلقنا الله له ، وأوجدنا من أجله ، كما قال تعالى: {ومَا خَلَقْتُ الجِّن والإِنْس إلاَّ لِيعْبُدُون}. - الذاريات الآية 56.

وقال تعالى: {فَاعْبُد الله مُخْلصا لَه الدِّين} - الزمر الآية 2.

وقال تعالى: {ومَا أُمِروا إلاَّ لِيَعْبُدوا الله مُخْلِصِين له الدِّين حُنفَاء وَيُقِيموا الصَّلاة ويُؤْتُوا الزَّكاة وذلكَ دِينُ القيّمة }
- سورة البينة الآية 5.


يتبع

أســاس نجـــاح العمـــل:
__________________

محمد السيد
11-10-2005, 03:37 PM
نتابع

أســاس نجـــاح العمـــل:


إذا تأملنا هذه الآيات الكريمات وما جاء في معناها وما أكثره في كتاب الله ، وجدنا أن أساس كل عمل في الإسلام إنما ينطلق من العقيدة ، ويرتكز عليها ، كما يرتكز البناء على أركانه.


والبيـت لا يبتنـى إلا له عمد =ولا عماد إذا لم ترس أوتاد([1])
وإذا عرفنا ذلك فإن أية دعوة إلى التضامن الإسلامي ، إذا لم ينطلق أصحابها من هذا المبدأ الأساسي ، ولم تؤسس على هذا البناء الراسخ ، ولم تقم على تحقيق التوحيد ، وتخليصه من شوائب الشرك ، والبدع ، والمعاصي ، فإنها دعوة سيكتب لها الفشل لا محالة ، عاجلاً أم آجلاً لأن البناء لا يقوم في الهواء ، ولا يمكن تشييده إلا على أرض صلبة حتى لا يتعرض للانهيار يوما من الأيام.



قال الله تعالى: {أفَمَن أسس بنيانه على التقوى من الله ورضوان خير أم من أسس بنيانه على شفا جرف هار فانهار به في نار جهنم والله لا يهدي القوم الظالمين}([2])

دفـــع توهـــم:



وحينما نقول إن مبنى التضامن الإسلامي على عقيدة التوحيد وعندما ندعوا إلى وجوب الانطلاق من هذا المبدأ ، فإن ذلك لا يعني إهمال الجوانب الأخرى التي أشرنا إليها أو إلى بعضها في ما مضى ، وإنما نعني وجوب التأسيس وذلك بأن نبدأ أعمالنا كلها من هذا المنطلق.



فعلى ضوئه تكون السياسة ، وعلى منهجه نبني الآداب ، والأخلاق ، وفي حدوده ندعو إلى الترغيب والترهيب ، وعلى مبادئه يوجد بإذن الله تعالى المجتمع الإسلامي الصالح المنشود ، وتوجد السعادة البشرية في الدنيا والآخرة ، ويعود الناس إلى دين الله أفواجاً فينعمون بالخير ، والأمن ، والطمأنينة وفق هدي العقيدة الخالصة الوارفة الظلال ، فيتخلصون بذلك من أدران الوثنية ، وأوضار الجهل.


الفطـــرة السليــــــــــمة:

وحينئذ تصفو قلوبهم ، وتخلص لله وتخلع ربقة الشرك الذي ران عليها سنين طويلة ، والذي هو أعظم ذنب عُصي به الله عز وجل ، منذ أن انحرف الناس عن الفطرة السليمة التي فطر الله الناس عليها حتى وقعوا فيما وقعوا فيه من الإفراط والتفريط والغلو والتقصير.

-------------------
[1] - من قصيدة للافوة الأودي –(انظُر ديوانه ضمن طرائف الأدب (ص10).

[2] - سورة التوبة الآية 109.
__________________
يتبع

بدء انحراف البشريــة عن الفطـــرة:

محمد السيد
11-10-2005, 03:41 PM
نتابع

بدء انحراف البشريــة عن الفطـــرة:

فلقد كان الإنسان في أول خلقه على المنهج الرباني الصحيح ، عقيدة وسلوكاً ، وأخلاقاً ، وعبادة ، ومعاملة ، حقبة من الزمن.

يذكر علماء التاريخ ، السير بأنها تقدر بعشرة قرون([1]) إلى أن بدأ الانحراف في العقيدة ، في أولئك القوم الذين بعث الله فيهم نوحاً عليه الصلاة والسلام ، بعد أن زين لهم الشيطان عبادة الأصنام ، الأوثان بسبب الغلو في الصالحين.

فقد روى البخاري رحمه الله في صحيحه عن ابن عباس رضي الله عنهما في قله تعالى: {وَقَالُوا لَا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلَا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلَا سُوَاعًا وَلَا يَغُوثَ وَيَعُوقَوَنَسْرًا} قال: "هذِهِ أَسْمَاءُ رِجَالٍ صَالِحِينَ مِنْ قَوْمِ نُوحٍ فَلَمَّا هَلَكُوا أَوْحَى الشَّيْطَانُ إِلَى قَوْمِهِمْ أَنْ انْصِبُوا إِلَى مَجَالِسِهِمْ الَّتِي كَانُوا يَجْلِسُونَ أَنْصَابًا وَسَمُّوهَا بِأَسْمَائِهِمْ فَفَعَلُوا فَلَمْ تُعْبَدْ حَتَّى إِذَا هَلَكَ أُولَئِكَ وَتَنَسَّخَ الْعِلْمُ عُبِدَتْ"([2])
فانظر كيف بدأ الانحراف عن الصراط السوي نتيجة للغلو ، بطريق التدريج ، وذلك أنهم كانوا يتبركون بدعائهم ، وكلما مات منهم أحد مثلوا صورته وتمسحوا بها زمنـاً طويلاً إلى أن عبدوها باستدراج الشيطان لهم.

ثم صارت سنة في الناس يهرم عليها الكبير ، ويشب عليها الصغير إلى أن بعث الله فيهم نوحـاً عليه الصلاة و السلام فلبث فيهم ألف سنة إلا خمسين عاماً يدعوهم إلى توحيد الله ونبذ عبادة ما سواه فأصروا واستكبروا استكباراً، ولم يؤمن منهم إلا النزر اليسير.



وما كان عليه حال قوم نوح هي نفس الحال التي ارتكس فيها الناس بعد ذلك من الغلو ، ومجاوزة الحد ، واتباع الهوى الذي أودى بالناس إلى عبادة غير الله سبحانه وتعالى.


[1] - انظر تاريخ الرسل والملوك لابن جرير (1/178) ، والبداية لابن كثير(1/54) ، ثم راجع الآثار الواردة في ذلك في تفسير ابن كثير (1/364) ، مطبعة كتاب الشعب عند تفسير قوله تعالى: {كان الناس أمة واحدة فبعث الله النبيين مبشرين ومنذرين....) الآية.

[2] - صحيح البخاري مع الفتح كتاب التفسير (8/667).
__________________
يتبع

أخطـــر أسبـــاب الضــــلال: