المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : اخلاق الداعية


محمد السيد
11-08-2005, 10:54 PM
أ - الصدق في حمل الدين :

بأن يكون تدين المرء تدينا صحيحا مبنيـَّـا على الصدق مع الله عز وجل ، لا على النفاق والكذب والمجاملة ، ولذلك يطلق الصدق في القرآن الكريم في مقابل النفاق : لِيَجْزِيَ اللَّهُ الصَّادِقِينَ بِصِدْقِهِمْ وَيُعَذِّبَ الْمُنَافِقِينَ إِنْ شَاءَ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ ( سورة الأحزاب / الآية 24 ) .

فلا بد من الإسلام الظاهر مع الإيمان الباطن ، لا بد من حسن الاعتقاد بالله واليوم الآخر والملائكة والكتاب والنبيين .

فالهدي الظاهر لا بد أن يكون متوافقا مع الهدي الباطن .

وهنا كمين من كمائن الشيطان يوحي للداعية بترك بعض الأعمال الصالحة الظاهرة بحجة أن باطنه ليس كذلك .. فلا تفعل لئلا ينخدع الناس بك !

وهذا خطأ كبير .

بل العمل الصالح الذي تزاوله بجوارحك هو من أسباب صلاح قلبك وصدقه ، ما دمت لم تعمله رياء ولا سمعة ولا على سبيل خداع المؤمنين .

محمد السيد
11-08-2005, 10:56 PM
ب - الصدق في الأقوال :

والصدق في القول تعبير عن شخصية واضحة ، ومروءة وشهامة وكرم ، ولا يلجأ للكذب إلا لئيم الطبع ، خبيث النفس ، ضعيف الشخصية ، والفطرة السليمة تستعيب الكذب وتستقبحه ، ولذلك أجمعت الديانات السماوية على تحريمه وتجريمه .

فما بالك بالداعية .. أتراه يتصور صدور الكذب منه ؟!

أعتقد - إن شاء الله - أن : لا .

ولكن :

من الدعاة من يتوسع في " التورية " بأن يقول كلاما يفهمه الناس على خلاف ما يقصد ، وقد يكتشفون بعد أن الواقع على خلاف ما فهموم منه فيتهمونه بالكذب .. ثم إن التوسع في التورية قد يؤدي إلى التسامح في بعض " الكذيبات " بحجة أنها للمصلحة !! فالحذر الحذر !

أيها الداعية : حين يلجؤك الموقف إلى الكذب فلا تقدم عليه ، وتذكر كلمة " أبي سفيان " أمام هرقل حين سأله عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقال :

" والله لولا أن يؤثروا عني كذبا لكذبت " !

لقد تجنب هذا الرجل - وكان جاهليَّا - أن يكذب خشية أن ينقلوها عنه ، أو يعيروه بها يوما من الدهر ، مع شدة حاجته إليها .

ونحن نعلم أن أعراض الدعاة اليوم أصبحت هدفا لسهام كثيرة ، ولذا يتعين على الداعية أن يغلق الباب الذي تأتيه منه الريح ، ليريح ويستريح !

محمد السيد
11-08-2005, 11:12 PM
جـ - الصدق في الأعمال :

وهو يعني أن تكون أعمال الإنسان خالصة لوجه الله تعالى من الرياء والسمعة ، فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا ( سورة الكهف / الآية 110) ، وقال : لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا ( سورة الملك / الآية 2 ) .
قال الفضيل بن عياض : أيكم أحسن عملا ، أي : أخلصه وأصوبه .

قيل : يا أبا علي ! ما أخلصه وأصوبه ؟

قال : إن العمل إذا كان خالصا ولم يكن صوابا لم يقبل ، وإذا كان صوابا ولم يكن خالصا لم يقبل ، لا يقبل حتى يكون خالصا صوابا !

ومن الصدق في الأعمال : الوضوح وتجنب الغموض والتلبيس .

روى أبو داود والنسائي أن عثمان بن عفان رضي الله عنه جاء بعبد الله بن سعد بن أبي السرح وقد أهدر رسول الله صلى الله عليه وسلم دمه ، حتى أوقفه على رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقال : يا نبيّ الله ! بايع عبد الله . فرفع رسول الله صلى الله عليه وسلم رأسه فنظر إليه مرتين أو ثلاثا ، كل ذلك يأبى أن يبايعه ، ثم بايعه بعد الثلاث ، ثم أقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم على أصحابه فقال : أما كان فيكم رجل رشيد يقوم إلى هذا حيث رآني كففت يدي عن بيعته فيقتله ؟! " .
فقالوا : ما ندري يا رسول الله ما في نفسك ، ألا أومأت إلينا بعينك ؟ قال عليه الصلاة والسلام : " إنه لا ينبغي لنبي أن تكون له خائنة الأعين !! .

إلى هذا الحد كان مدى " الصدق " في أعمال النبي صلى الله عليه وسلم ، لم يرض أن يقتل عدوه اللدود الذي كان أهدر دمه بطريقة غامضة عن طريق الإيماء بطرف العين !! وكان هذا دأبه وديدنه طيلة حياته صلى الله عليه وسلم ، ولذلك لم يستطع المشركون في بداية الدعوة أن يتهموه بالكذب ، بل قالوا : شاعر .. ساحر .. مجنون .. ولم يصدقهم الناس ، وعندما فقدوا صوابهم وأعيتهم الحيل صرخوا : كذاب .. ولكن هيهات أن يصدقهم الناس !

وروى الترمذي عن عبد الله بن سلام رضي الله عنه قال : لما قدم النبي صلى الله عليه وسلم المدينة انجفل الناس إليه ، وقيل : قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم ، قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم ، قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فجئت في الناس لأنظر إليه ، فلما استثبتُّ وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم عرفت أن وجهه ليس بوجه كذاب ، وكان أول شيء تكلم به أن قال : أيها الناس ! أفشوا السلام ، وأطعموا الطعام ، وصلوا والناس نيام ، تدخلوا الجنة بسلام .
لقد سرى صدق رسول الله صلى الله عليه وسلم ، من القلب إلى اللسان .. إلى الجوارح وتجلى على محيا وجهه الكريم .. فكل من نظر إلى طلعته وإشراقها وصفائها قرأ فيها الصدق وعرف أن وجهه ليس بوجه كذاب !

نحن نحتاج إلى نمط من الدعاة آثروا الصدق في أقوالهم وأفعالهم حتى أصبح الصدق سجية تجري في عروقهم ، وتطل من طلعات وجوههم ، فإذا رآهم الناس قالوا : هذه ليست بوجوه كذابين !

كما نحن بحاجة إلى دعاة يتجملون بالخلق الكريم ، ويتأبون على الإثارة الاستفزاز فيحتفظون بهدوئهم واعتدال منطقهم في سائر الأحوال حتى إذا أبصر الناس منهم هذا هتفوا : هذه أخلاق أنبياء !

· إن صدقنا في حمل دعوتنا هو الذي يجعل الناس يتقبلون ديننا ، وليس يليق بنا أن نكون كالممثل على المسرح ، يظهر للناس بهيئة خلاف حقيقته ، فمثل هذا سرعان ما ينكشف أمره ، ويعرض الناس عنه .

نقل عن بعض السلف أنه كان إذا وعظ أبكى الناس ، حتى تختلط الأصوات ويعلو النحيب ، وقد يتكلم في المجلس من هو أغزر منه علما ، وأجود منه عبارة ، فلا تتحرك القلوب ولا يبكي أحد !

فسأله ابنه يوما عن هذا ، فقال : يا بني لا تستوي النائحة الثكلى والنائحة المستأجرة !

إذن فالوسيلة الأولى لنجاح الداعية هي : صدقه في حمل دعوته ، وجديته في ذلك ، وأن يكون الصدق في الأقوال والأعمال منهجه وشعاره . ليس المهم هو الكلمات المنمقة المعسولة - وإن كانت مطلوبة - ، إنما الأهم من ذلك الصدق ، وأن يكون منسجما مع نفسه ، وأن يكون حديثه عن معاناة ، وقديما قيل :

الكلمة إذا خرجت من القلب وقعت في القلب ، وإذا خرجت من اللسان لم تتجاوز الآذان !!

محمد السيد
11-08-2005, 11:20 PM
ثانيا / الصبر :

الصبر قرين اليقين وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ ( سورة السجدة / الآية 24 ) .

ولذلك قال سفيان : بالصبر واليقين تنال الإمامة في الدين .

والذي لا يصبر فإنه من السهل أن ينخلع عن دينه لأي شيء يعترض طريقه ، ومن السهل أن يتخلى عن منهجه وحكمته لأي استفزاز ، ولذلك قال الله تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم : فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلَا يَسْتَخِفَّنَّكَ الَّذِينَ لَا يُوقِنُونَ ( سورة الروم / الآية 60 ) .
وقال : وَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَاهْجُرْهُمْ هَجْرًا جَمِيلًا ( سورة المزمل / الآية 10 ) .

كثيرا ما يقف الضالون في وجه الدعاة إلى الله عز وجل ، يقولون لهم : إن ما تدعون إليه ضرب من الخيال لا يمكن أن يتحقق في الواقع ، أنتم تدعون إلى أمور عفا عليها الزمن ، ونسيها الناس أو كادوا ، فينبغي أن ترضوا بما دون ذلك ، وأن تراجعوا آراءكم واجتهاداتكم !!

وأمام ضغوط الواقع القائم ، وأمام العقبات الحقيقية والوهمية في وجه تحقيق الإسلام ، وأمام طول الطريق .. قد يستجيب بعض الدعاة ويتأثر ، ويبدأ في إعادة النظر في فهمه للإسلام ، وفيما يقوله الخصوم !

ويا ليته إذ يفعل ذلك يفعله بروح الباحث المتجرد الشجاع المتطلع إلى الحق أين كان .. إذن لهان الخطب !

لكنه يفعله بروح " المنهزم " الذي يحس بأنه خرج من المعركة أسيرا أو كسيرا .. فهو يبحث في " عروض " القوم عن " حل " يجنبه المعركة مع الباطل .. مع الواقع المنحرف ..

· وهذا مثل :

الربا الذي انتشر ، وضرب أطنابه ، ومد رواقه ، وقامت عليه اقتصاديات العالم كله - بما فيه العالم الإسلامي - وكاد أن يدخل جيب كل أحد حتى تحققت فيه نبوءة النبي صلى الله عليه وسلم ، حين قال : يأتي على الناس زمان من لم يأكل الربا أصابه من غباره .
وهذا الحديث وإن كان فيه ضعف ، إلا أنه يشهد لصحة معناه قوله صلى الله عليه وسلم فيما رواه البخاري : يأتي على الناس زمان لا يبالي المرء ما أكل ، أمن الحلال أم من الحرام .
هذا الحرام المستقر في نفوس الكثيرين وجيوبهم ومؤسساتهم وأموالهم ، بدلا من أن يسعى الداعية لنهي الناس عنه ، والبحث عن البدائل الشرعية الصحيحة لتنمية أموال الناس واستثمارها ، ولإقامة بناء الاقتصاد الإسلامي السليم .. يأتيه الذين لا يوقنون فيحاولون أن يستخفّوه ليعيد النظر في صور من صور الربا الصريح ..

وأن لها مخرجا فقهيا ولو ضعيفا أو شاذا ! وهكذا يصبح " واقع الناس " في فترة من الزمان محدودة مرجعا لتعديل بعض الأحكام الشرعية المستقرة عبر القرون !

إنه فقدان الصبر في نفوس بعض الدعاة ، ومع فقدانه فقدان الأمل !




أعلل النفس بالآمال أرقبها ما أضيق العيش لولا فسحة الأمل !




ويا ليت الداعية ينصت لذلك الناصح الذي قال للخليل :



إذا لم تستطع شيئا فدعه وجاوزه إلى ما تستطيع !


أنت لست مطالبا بتحقيق نصر واقع للإسلام ، فهذا أمره إلى الله متى شاء أن يحدث حدث ، لكنك مطالب ببذل جهدك في هذا السبيل فحسب ! والرسل والأنبياء كانوا يخاطبون بذلك : إِنْ عَلَيْكَ إِلَّا الْبَلَاغُ ( سورة الشورى / الآية 48 ) .

وكانوا يقولون : وَمَا عَلَيْنَا إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ ( سورة يس / الآية 17 ) .

وقد يأتي أحدهم إلى بعض الدعاة ويقول له : أنت تعمل أعمالا جبارة ، وتواصل كلال الليل بكلال النهار ، لكن النتيجة في النهاية قليلة ، فالناس ينفضون من حولك ، وأنت ترى وسائل الهدم والتخريب قد استحوذت على الكثير منهم .. وأصبحت تفسد في ساعة ما يبنيه الداعية في سنة ! و:



متى يبلغ البنيان يوما تمامه إذا كنت تبنيه وغيرك يهدم ؟ !





وهذا المنطق قد يؤثر على كثير ممن لم يعتادوا على عقبات الطريق .

وهنا يأتي دور " الصبر " الصبر الجميل .

عن خباب بن الأرت رضي الله عنه قال : أتيت النبي صلى الله عليه وسلم ، وهو متوسد بردة في ظل الكعبة ، وقد لقينا من المشركين شدة ، فقلت : يا رسول الله ألا تدعو لنا ؟ ألا تستنصر لنا ؟

فقعد صلى الله عليه وسلم ، وهو محمرٌّ وجهه ، وقال : " لقد كان من قبلكم يمشط بمشاط من حديد ما دون عظامه من لحم أو عصب ما يصرفه ذلك عن دينه ، ويوضع الميشار على مفرق رأسه فيشق باثنين ما يصرفه ذلك عن دينه ، وليتمن الله هذا الأمر حتى يسير الراكب من صنعاء إلى حضرموت ما يخاف إلا الله ، والذئب على غنمه .. ولكنكم تستعجلون ‍‍! .

فالعجلة في قطف ثمار الدعوة ونتائجها لا تتناسب مع الصبر الذي يجب أن يتحلى به الداعية .

قد يكون الداعية في موقع من المواقع ( بلد ، مدرسة ، مؤسسة ، .. ) يجاهد في رد المنكرات ونشر الدعوة ، ويحدث على يديه خير كثير ، لكنه لا يحس به لأنه يجيء بصورة تدريجية .. كما لا يحس الأب بنمو طفله الذي يراه صباح مساء ! لأنه يكبر شيئا فشيئا !

وكم من داعية تخلى عن موقع من المواقع ظانا أنه ليس له أثر ، فلما تخلى بان فقده وظهرت مكانته ، فكان كما قيل :



سيذكرني قومي إذا جد جدهم وفي الليلة الظلماء يفتقد البدر !





وكان كالكسعي ، الذي يصنع السهام ويرمي بها في الليل ، ويظن أنها لم تصب ما أراد .. فكسر القوس ، فلما أصبح رأى أنها قد أصابت فندم على كسرها .. وصار يضرب به المثل في الندم ، حتى قال الفرزدق حين طلق زوجته :



ندمت ندامة الكسعي لما غدت مني مطلقة نوار ‍! !







فعلى الداعية ألا يستعجل النتائج والثمرات ، بل يسعى ويعتمد على الله تعالى ، ويدرك أنه بمنطق التجربة المقطوع بها من الناحية التاريخية ، ومن الناحية الواقعية ، أن أي جهد صحيح يبذل في الأمة يكون له ثمرة ، إذ لم يقع في هذه الأمة أن أحدا دعا فلم يستجب له ، أو نصح فلم ينتصح بأمره ونهيه أحد ، أو عالما جلس للتعليم فلم يقعد إليه أحد ، إلا أن يؤتى من قبل نفسه ، بل كل داع يجد من يستجيب له ، إذ لم تصل الأمور إلى ما أخبر به النبي صلى الله عليه وسلم ، من الشح المطاع والهوى المتبع ، والدنيا المؤثرة ، وإعجاب كل ذي رأي برأيه ، لم يحدث هذا على مستوى الأمة كلها قط ، قد يقع في فرد أو أفراد أو جهة ، لكن الأمة فيها خير كثير ، ولا يزال عند الناس استجابة وقبول للدعوة ، وإصغاء لصوت الناصح ، إذا تكلم بعلم وحكمة .

بل إننا نجد في الأمم الكافرة اليوم في أمريكا وأوروبا وغيرها أن من يحملون لواء الدعوة إلى الله يجدون من يستجيب لهم من الكفار ، وفي مراكز كثيرة كانوا يذكرون لنا إحصائيات الذين يسلمون أسبوعيا فكانت بالعشرات من الرجال والنساء .

وهذه الحقيقة التاريخية الواقعية ، التي تثبت أن كل جهد له ثمرة هي أيضا حقيقة شرعية :

فَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَا كُفْرَانَ لِسَعْيِهِ وَإِنَّا لَهُ كَاتِبُونَ ( سورة الأنبياء / الآية 94 ) .

وقال : لِيَجْزِيَ اللَّهُ الصَّادِقِينَ بِصِدْقِهِمْ ( سورة الأحزاب / الآية 24 ) .

من دعا إلى هدى كان له من الأجر مثل أجور من تبعه ، من غير أن ينقص من أجورهم شيء .

من سن في الإسلام سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها من بعده إلى يوم القيامة .. " .

فكل عمل له جزاء ، وكل داع له أتباع .

محمد السيد
11-08-2005, 11:28 PM
ثالثا / التواضع :

وهو معرفة المرء قدر نفسه ، وتجنب الكبر الذي هو بطر الحقّ وغمط الناس . كما قال صلى الله عليه وسلم ، فيما رواه مسلم وغيره .

والتواضع في الأصل إنما هو للكبير الذي يخشى عليه أن يكبر في عين نفسه ، فيقال له :


تواضع تكن كالنجم لاح لناظر على صفحات الماء وهو رفيع

أما الإنسان العادي فلا يقال له : تواضع ، وإنما يقال له : اعرف قدر نفسك ، ولا تضعها في غير موضعها !

روى الخطابي في العزلة أن الإمام الفذ عبد الله بن المبارك ، قدم خراسان فقصد رجلا مشهورا بالزهد والورع ، فلما دخل عليه لم يلتفت الرجل إليه ولم يأبه به ، فخرج من عنده عبد الله بن المبارك ، فقال له بعض من عنده : أتدري من هذا ؟ قال : لا . قال : هذا أمير المؤمنين في الحديث .. هذا .. هذا .. هذا .. عبد الله بن المبارك فبهت الرجل وخرج إلى عبد الله بن المبارك مسرعا يعتذر إليه ويتنصل مما حدث وقال : يا أبا عبد الرحمن اعذرني وعظني !

قال ابن المبارك : نعم .. إذا خرجت من منزلك فلا يقع بصرك على أحد إلا رأيت أنه خير منك !

وذلك أنه رآه معجبا بنفسه ، ثم سأل عنه ابن المبارك فإذا هو حائك !!

لقد لمح الإمام المربي أن في هذا المتزهد نوعا من الكبرياء والغطرسة والاستعلاء على الناس .. وهو داء يسرع إلى المتزهدين أحيانا .. فزوده بهذه النصيحة التي تلائم حاله .

وكم نجد من بعض الصالحين ، وربما الدعاة أحيانا ، بل ومن صغار الطلبة من يسيئون الأدب مع شيوخهم وعلمائهم وأساتذتهم . وإنه لأمر يحز في النفس ويؤلمها !

لا حرج أن تختلف مع عالم أو داعية في رأي أو اجتهاد متى كنت أهلا لذلك .. لكن الحرج كل الحرج أن يتحول هذا الاختلاف إلى معول هدم لمكانة هذا العالم ، والحط من قدره ، والإزراء عليه ، وسوء الأدب معه .

وإن جاز أن يقع هذا من الدهماء من العامة ، أومن أهل البدعة والضلالة فإنه لا يجوز بحال أن يقع من أهل السنة ومن طلاب علم الشريعة :


قد رشحوك لأمر لو فطنت له فاربأ بنفسك أن ترعى مع الهمل


إن علماء أهل السنة والجماعة خاصة مطالبون بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والاحتساب على علية القوم ..

وإذا خذلهم أقرب الناس إليهم فلا ينتظر منهم ذلك ، فواحدهم كفارس شجاع ما خلفه إلا نساء !


ولو أن قومي أنطقتني رماحهم نطقت ولكن الرماح أجرت


ولو أن أهل السنة حموا أعراض علمائهم ، وعرفوا لهم قدرهم ، والتفوا حولهم لأمكن لهم أن يقوموا بواجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر على الوجه الصحيح ، لكن لما خذل العالم من وراءه لم يستطع أن يقول شيئا .

وكم هو مؤسف أن بعض أهل البدع على النقيض من ذلك ، بل تصل الحال بهم إلى أن يمنحوا شيوخهم وملاليهم وسادتهم نوعا من القداسة ، ويسيرون خلفهم بشكل مرفوض .. هو في الحقيقة نوع من العبودية وذوبان التابع في المتبوع .

وهذا ديدن الفرق الباطنية عبر العصور حيث تربى أفرادها على منح قدر من " العصمة " لزعمائها وأئمتها .

وحتى المعتزلة الذين يتعاطون بضاعة " العقل " ، ولا يكاد يوجد عندهم للعواطف مكان .. يقول أحد شعرائهم في شيخهم واصل بن عطاء :


له خلف بحر الصين في كل بلدة إلى سوسة الأقصى وخلف البرابر
رجال دعاة لا يفل عزيمهم تهكم جبار .. ولا كيد ماكر
إذا قال مروا في الشتاء تسارعوا وإن جاء حر لم يخف شهر ناجر
هم أهل دين الله في كل بلدة وأرباب فتياها وعلم التشاجر



وأهل السنة أولى بأن يقدروا ويوقروا علماءهم ولا خير في أمة لا يوقر صغيرها كبيرها ، ولا يرحم كبيرها صغيرها .

*** ومن التواضع ، بل من معرفة قدر النفس ألا ينظر الشاب المبتدئ إلى نفسه على أنه ند لهذا العالم أو ذاك ، ويقول : هم رجال .. ونحن رجال !!

والحال أن الرجولة تختلف .. فإن صفة الرجولة في القرآن الكريم سيقت مساق المدح في مواضع عدة :

فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا ( سورة التوبة / الآية 108 ) .
فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ رِجَالٌ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ ( سورة النور / الآيتان 36-37 ) .
وقد يعبر بالرجولة عن الفحولة والذكورية فحسب ، في مواضع أخرى :

وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِنَ الْإِنْسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِنَ الْجِنِّ ( سورة الجن / الآية 6 ) .
فالرجال ليسوا سواء ، وأين الثرى من الثريا ؟!

ولربما رأيت طويلب علم لا يحفظ من القرآن إلا اليسير ، ولا يكاد يحفظ حديثا من البخاري أو مسلم بحروفه ، فضلا عن سنده ومعناه .. ومع هذا قد يقف أمام جهابذة العلماء وكأنه أبو حنيفة أو الشافعي ! وهجيراه أن يقول : أرى ، وأنا ، وقلت ، وعندي !


يقولون هذا عندنا غير جائز ومن أنتم حتى يكون لكم عند ؟!


*** ومن التواضع أن يتواضع المرء مع أقرانه ، وكثيرا ما تثور بين الأقران والأنداد روح المنافسة والتحاسد ، وربما استعلى الإنسان على قرينه ، وربما فرح بالنيل منه ، والحط من قدره وشأنه ، وعيبه بما ليس فيه ، أو تضخيم ما فيه ، وقد يظهر ذلك بمظهر النصيحة والتقويم وإبداء الملاحظات ، ولو سمى الأمور بأسمائها الحقيقية لقال : الغيرة .

والعجب أن يغار الداعية من اجتماع ألف أو ألفين في مجلس علم أو دعوة لكنه لا ينفعل لو سمع أن حفلا غنائيا أو مباراة رياضية حضرها عشرون أو ثلاثون ألفا ، وهذا والله من البؤس ، حتى لو كنت لا ترضى من أخيك بعض الأمر ، يكفيك أنه يدعو إلى الله ، ويعلم الناس الدين ، وهو على الجادة إجمالا :


ومن ذا الذي ترضى سجاياه كلها ؟ كفى المرء نبلا أن تعد معايبه


وقد يكون الحق معه في بعض ما انتقدته عليه .

*** ومن التواضع : التواضع مع من هو دونك ، فإذا وجدت أحدا أصغر منك سنا ، أو أقل منك قدرا فلا تحقره ، فقد يكون أسلم منك قلبا ، أو أقل منك ذنبا ، أو أعظم منك إلى الله قربا .

حتى لو رأيت إنسانا فاسقا وأنت يظهر عليك الصلاح فلا تستكبر عليه ، واحمد الله على أن نجاك مما ابتلاه به ، وتذكر أنه ربما يكون في عملك الصالح رياء أو عجب يحبطه ، وقد يكون عند هذا المذنب من الندم والانكسار والخوف من خطيئته ما يكون سببا في غفران ذنبه .

عن جندب رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حدث : أن رجلا قال : والله لا يغفر الله لفلان ، وأن الله تعالى قال : من ذا الذي يتألى عليَّ أن لا أغفر لفلان ؟ فإني غفرت لفلان وأحبطت عملك .

فلا تستكبر على أحد ، وحتى حين ترى الفاسق لا تستعل عليه ، أو تعامله بأسلوب المتسلط المتكبر .

ولو شعر الناصح الداعية أنه قد يكون لهذا الفاسق طاعات ليست عنده ، وأن عنده هو عيوبا قد لا تكون عند صاحبه لعامله برفق ، وتلطف معه في الدعوة بما يرجى أن يكون سببا في القبول والذكرى .

*** ومن التواضع ألا يعظم في عينك عملك ، إن عملت خيرا ، أو تقربت إلى الله تعالى بطاعة ، فإن العمل قد لا يقبل ، و إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ ( سورة المائدة / الآية 27 ) ، ولهذا قال بعض السلف : لو أعلم أن الله قبل مني تسبيحة لتمنيت أن أموت الآن !

ومن ذلك التواضع عندما تسمع نصيحة ، فإن الشيطان يدعوك إلى ردها ، وسوء الظن بالناصح ، لأن معنى النصيحة أن أخاك يقول لك : إن فيك من العيوب كيت وكيت :


وكم مرة أتبعتكم بنصيحتي وقد يستفيد البغضة المتنصح !


أما من عصمه الله تعالى فإنه إذا وجد من ينصحه ويدله على عيوبه قهر نفسه ، وقبل منه ، ودعا له وشكره .

ولهذا قال صلى الله عليه وسلم ، في تعريف الكبر : الكبر بطر الحق وغمط الناس .

يعني رد الحق ، وبخس الناس أشياءهم .

فالمستكبر صاحب نفسية متعاظمة لا يكاد يمدح أحدا أو يذكره بخير ، وإن احتاج إلى ذلك شفعه بذكر بعض عيوبه .

أما إن سمع من يذكره ببعض عيوبه فهيهات هيهات أن ينصاع أو يلين ، وما ذاك إلا لمركب النقص في نفسه ، ولهذا كان من كمال الإنسان أن يقبل النقد والملاحظة بدون حساسية أو انزعاج أو شعور بالخجل والضعف ، وها هو أمير المؤمنين عمر رضي الله عنه يحمل الراية ، ويرفع الشعار :


*** رحم الله امرأ أهدى إلينا عيوبنا ***

محمد السيد
11-08-2005, 11:32 PM
رابعا العدل > العدل مع العدو والصديق



أ - العدل مع العدو والصديق :

فالكثير من الناس إذا ذكر له صديقه أثنى عليه ولو كان يعلم أنه لا يستحق ذلك الثناء ، وإذا ذكر له خصمه ذمّه ولو كان يعلم أنه خلاف ما يقول .

فهل يستطيع الداعية أن يذكر العيوب الموجودة في أقرب الناس إليه ممن يكون مثله في المنهج والطريقة ؟! أو يكون شريكا له في عمل ما ؟!

وهل يستطيع أن يثني بصدق على إنسان يختلف معه في بعض الأمور ؟

إن كان يستطيع ذلك فقد حقق العدل في هذا الجانب ، ولكن أكثر الناس يجورون على خصومهم فيذمونهم بما ليس فيهم ، ويجورون أيضا على أصدقائهم فيمدحونهم بما ليس فيهم .. وهذا وإن كان مظهره مظهر المحبة والثناء إلا أن حقيقته الجور والذم ، فمن أثنى عليك بما ليس فيك فقد ذمّك ، لأن الناس يتطلبون هذه الخصلة فيك فلا يجدونها فيذمونك على فقدها ، والله تعالى قد أمرنا بالعدل حتى مع الأعداء فقال : وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى [ المائدة : 8 ] .
ومن المحزن أننا وإن سلّمنا بذلك نظريا ، إلا أننا من الناحية العملية سرعان ما ننسى هذا الدرس ، فحين نقف على ما نعده نحن خطأ من فلان نسقطه من الحساب ، ولا نعبأ به ، ولا نلتفت إليه ، وكثيرا ما تنسينا محاسن الشخص الكثيرة عيوبه القليلة ، أو تنسينا عيوبه الكثيرة محاسنه القليلة .

لا بل الأمر أدهى وأمر !

ولعل الحقيقة أنه كثيرا ما تنسينا العيوب القليلة المحاسن الكثيرة .. وننسى القاعدة الشرعية " إذا كان الماء قلتين لم يحمل الخبث !! " .

محمد السيد
11-08-2005, 11:35 PM
ب- العدل في تقويم الكتب :

فحينما تقوم كتابا فليس من العدل أن تقول إنه يحوي أحاديث موضوعة أو ضعيفة - مثلا - أو آراء شاذة ، فتذكر هذا الجانب المظلم ، وتنسى جانبا آخر موجودا في الكتاب ، وهو أنه يحوي توجيهات مفيدة ، أو أبحاثا علمية .

إن ذكرك لنصف الحقيقة وإهمال النصف الآخر منها ليس من الأمانة .

والكثير من الناس بمجرد أن يرى خطأ في كتاب ما يحذَره ويحذّر منه ، لأنه ساق حديثا ضعيفا ، أو أخطأ في مسألة ، ولو عاملنا كتب أهل العلم بهذا المقياس ما بقي لنا كتاب .

صحيح البخاري - وهو أصح الكتب بعد كتاب الله تعالى - هل حاز على الكمال المطلق ؟ كلاّ ، فقد بيض لبعض المواضع ، لم يضع تحت بعض الأبواب أحاديث ، فيه أحاديث معلقة غير موصولة ، وفي بعض روايات الصحيح اختلاف .

ولا يخلو كتاب بعد كتاب الله من النقص والخطأ ، فلا ينبغي أن نذكر عيوب كتاب ومثالبه ، إلا ونذكر إلى جانبها محاسنه ما كانت له محاسن .

محمد السيد
11-08-2005, 11:39 PM
العدل في الحكم على الدعوات والحركات :

منذ سقوط الخلافة الإسلامية قامت في العالم الإسلامي دعوات وحركات كثيرة تهدف إلى استئناف الحياة الإسلامية والحكم الإسلامي ، أو إلى استمرار الدعوة بين غير المسلمين ، أو إلى إحياء السنة ، أو ما شابه ذلك من الأهداف النبيلة .

وهذه الدعوات تختلف في منهاجها وأسسها وأهدافها ، وتختلف في قربها أو بعدها عن منهج الكتاب والسنة .

وقد تحدث كثيرون عن هذه الدعوات ودرسوها من جوانب مختلفة ، والأمر الذي تكاد أن تفقده في كثير من هذه الدراسات هو" العدل " ، فكثير من الكتاب ما بين منتم لهذه الدعوة ، معجب بمناهجها وطرائقها فهو يكيل لها المدح كيلا ، ويدعي وصلا بليلى ! وآخر متحامل عليها لا يرى فيها إلا كل نقيصة ، وبين هذا وذاك تضيع الحقيقة .

والله تعالى يحب العدل ، ويكره الجور ، ومن قصّر في جانب فلا يلزم أن يكون مقصرا في كل جانب ، ولا يسوغ أن تنسيك سيئاتهم الكثيرة حسناتهم القليلة .

أحيانا تسمع البعض يتحدث عن فئة من الدعاة إلى الله فيحولهم إلى مجموعة من الشياطين حتى يفسّر نطقهم بالشهادتين تفسيرا يصرفه عن معناه المباشر الظاهر ، ويؤول تصرفاتهم تأويلا قد يصدق في بعضها ولا يصدقها في كثير منها ، والتعميم في هذا الموضع خطأ ، بل يجب لمن تصدى للحديث عن الدعوات ومناهجها التفصيل والدقة وضبط العبارة وذكر الجوانب المشرقة إلى جوار الجوانب المعتمة .

وأئمة أهل السنة والجماعة كانوا يذكرون أهل البدعة فيذمونهم ويحذرون منهم ، لكنهم يذكرون مع ذلك مقاماتهم في الرد على من هو أشد منهم بدعة ، أوفي دعوة بعض الكفار إلى الدخول في الإسلام ، بحيث يتحولون من كفار إلى مسلمين مبتدعين ، وهذا خير من بقائهم على الكفر الصحيح بلا ريب ، أو في ردّ بعض هجمات الأعداء العسكرية ، أو في أعمال خيرية قاموا بها .

فمن العدل ألا نتجاهل بدعتهم بحجة أنهم أحسنوا في أمور ، كما لا نتجاهل حسناتهم بحجة أنهم أصحاب بدعة ، بل نجمع بين الأمرين .


طبعا في امرنا الاخير العدل مع الجماعات هذا فقط في التراجم اما في معرض التحذير من هذه الجماعات الضالة فهذا واجب ان نبين ضلالهم ونحذر الناس منهم ولسنا ملزمين بل ولا ينبغي ان نذكر محاسنهم

ربيب السلف
11-16-2005, 11:08 PM
جزاك الله خيرا ونفعنا وأياك بها.

أحرار
11-17-2005, 07:17 AM
جزاك الرحمن خيرا أخي لهذا المجهود وجلعه الله

في ميزان أعمالك

شكرا من الأعماق

أم أسيل الأثرية
08-15-2007, 08:37 AM
بارك الله فيك


وجزاك المولى الفردوس الاعلى