المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : عيد نازحي البارد.. بارد وحزين


الفلامنجو
12-21-2007, 02:44 PM
عيد نازحي البارد.. بارد وحزين




[فقط الأعضاء المسجلين والمفعلين يمكنهم رؤية الوصلات]



إذا كان الصراع السياسي المحتدم في لبنان قد شغل وسائل الإعلام عن تغطية أزمة نازحي نهر البارد، فإن معاناتهم لم تنته فصولاً بل هي تزداد تفاقماً يوماً بعد يوم، لاسيما مع دخول فصل الشتاء وبدء العام الدراسي..

أما عيد الأضحى، فإنه يأتي عليهم كئيباً بأحزانهم على منازل يعجزون عن الوصول إليها، ومبللاً بأمطار لا يستطيعون الاحتماء منها، ناهيك عن البرد الذي لم يستعدّوا له، ومن أين لهم أن يفعلوا؟!

معاناة.. دفعت للتصعيد

ودفعت الظروف الصعبة التي يعيشها النازحون، سواء من انتقل منهم إلى المخيم الجديد أو ما زال مقيماً في مخيم البداوي، إلى إصدار بيان شديد اللهجة ينتقد وكالة «الأونروا» وسياستها في معالجة أزمة النازحين، ويحذر من "اللجوء إلى التصعيد رداً على الظلم والقهر الذي يتعرض له أبناء البارد».

وأطلق نازحو البارد في بيانهم صرخة إلى العالم: "أين الحقوقيون في هذا البلد؟ أين الشرفاء؟ أين منظمة العفو الدولية؟".

واعتبرت "اللجنة الوطنية لأبناء مخيم نهر البارد" - وهي لجنة أهليّة تشكلت من وجهاء النازحين - في بيانها أن "استمرار بقاء النازحين في المدارس والكراجات من دون أدنى مقومات العيش الآدمي والإنساني، تتحمل مسؤوليته بالدرجة الأولى وكالة «الأونروا» ومن ثم الفصائل الفلسطينية مجتمعة والدولة اللبنانية"، متهمة موظفي وكالة "الأونروا" بالعمل على إطالة أمد الأزمة "حتى يستفيدوا من السمسرات والصفقات، ويتنعّموا بالإقامة في الفنادق، في الوقت الذي ينام فيه أبناء البارد في ما يشبه العراء، وبعضهم يغتسلون بالماء البارد بمن فيهم الأطفال».

وحذّر نازحو البارد من تصعيد التحرك والخروج على القانون "لن نسكت على الظلم والقهر والجور! نناشدكم لا تختبروا صبرنا، لا تدفعونا قسراً للخروج على القانون".

وسبق هذا البيان اعتصام نفّذه النازحو المقيمون في مدارس مخيم البداوي، ورفعوا لافتات كتب عليها "من حقي أن يكون لي وقت محدد للدراسة"، و"من حقنا أن تكون لنا منازل لائقة".

برنامج العودة؟

بلغ عدد العائلات التي عادت إلى المخيم الجديد (يقع عند أطراف المخيم الأساسي) حتى الآن حوالي 1500 عائلة، كانوا مقيمين في مخيم البداوي ومدارس مدينة طرابلس. وتوزعت هذه العائلات على الوحدات السكنية المؤقتة التي تقوم وكالة الأونروا بإنجازها، وعلى شقق مستأجرة حيث تقيم كل عائلة في غرفة، وفي كاراجات. أما عدد العائلات التي لم يسمح لها بالعودة فيبلغ حوالي 4050 عائلة.

ويقيم بشكل كامل في المخيم الجديد حوالي 900 عائلة ليلاً نهاراً، فيما ترجع الـ 600 عائلة ليلاً إلى البداوي، حيث يقومون نهاراً بأعمال الترميم والإصلاحات لمنازلهم غير الصالحة للسكن.

يذكر أن العائلات التي يشملها برنامج العودة هي التي تملك منازل في المخيم الجديد فقط، أما مصير أهالي المخيم القديم فما زال مجهولاً، وهذا ما يزيد في الضغط النفسي لدى النازحين، بحسب عضو فريق "أمل البارد" حنان حمّاد.

المطر يزيد الأزمة

وذكرت حنان حماد من مخيم البارد أن بعض أسقف المنازل المتصدعة تتهاوى بفعل العواصف، ما يعرّض حياة الناس للخطر، فضلاً عن تسبب الأمطار بتحويل الطرقات إلى بحيرات من الوحول، ما يجعل مرور السيارة صعباً، ناهيك عن استحالة التجول على الأقدام إلا بعد ارتداء "الجزمة"، وذلك بسبب الحفريات الشديدة بفعل المواجهات العسكرية التي دارت رحاها بين الجيش اللبناني وجماعة فتح الإسلام.

كما أن غزارة الأمطار تسببت بارتفاع منسوب النهر البارد (عرضه 6 أمتار)، الأمر الذي منع الناس من عبوره (فوق لوح خشبي) للتنقل بين القطاعات.

وبطبيعة الحال، فإن قدوم فصل الشتاء أضاف إلى معاناة النازحين فصلاً جديداً، بسبب غياب وسائل التدفئة فضلاً عن توفر الألبسة الشتوية والأغطية. ورغم المساعدات التي تقدمها مؤسسات إغاثية إنسانية، لكنها لا تفي بالحاجة ولا تؤمّن للنازحين الحدّ الأدنى من مقومات العيش الإنساني.

ووضعت وكالة الأونروا مولدات كهربائية في المخيم الجديد، بحيث توفر الكهرباء بمعدل 6 ساعات يومياً لبعض القطاعات في المخيم الجديد وليس كلها، بمعدل 4 أمبير لكل عائلة.

يذكر أن وكالة الأونروا أنجزت حتى الآن 128 وحدة سكنية عند المدخل الجنوبي للمخيم، والوحدة عبارة عن منزل من الحجارة غير مورّقة من الداخل، سقفه زينكو. مساحته (7 * 3.5) أمتار، من ضمنها بيت الخلاء وما يطلق على تسميته "مطبخ" وهو بالأساس مجرد مجلى. والبيوت متلاصقة ببعضها بشكل صفوف، يفصلها "زاروب" بعرض متر مربع. وقد أظهر فصل الشتاء عيوب هذه الوحدات السكنية، حيث تسرب الهواء من الفراغ بين السقف والزينكو، ودخول المياه من عتبات الأبواب.

نازحو البداوي.. المنسيون

إذا كانت تلك هي حال النازحين في المخيم الجديد، فإن وضع النازحين الذين ما زالوا يقيمون في مخيم البداوي ليس أفضل حالاً، بل هو قد ازداد سوءاً عن السابق، وذلك لأن جميع المؤسسات الإغاثية والاجتماعية التي كانت تقيم في البداوي انتقلت مع النازحين إلى المخيم الجديد، حيث تعتبر تلك المؤسسات أن الواجب عليها الآن هو تثبيت أهل البارد لغياب مقومات الحياة، فتحولت معظم التقديمات والرعاية إلى النازحين العائدين إلى المخيم، ما دفع بنازحي البداوي لتنفيذ العديد من التحركات الشاجبة، لاسيما مع غياب أيّ أفق لعودتهم إلى "منازلهم" أو ما تبقى منها في المخيم القديم.

أبسط الحقوق

لقد سلبت من نازحي مخيم نهر البارد أبسط حقوق العيش، حتى زيارة المقبرة التي اعتادوا أن يبدأوا أعيادهم بها، قد حرموا منها، حيث ما زالت المقبرتان تحت سيطرة الجيش اللبناني ولم تسلّم إلى أهالي المخيم، وإذا توفي أحد النازحين فسيحرم من أن يدفن في مقبرة المخيم، بل سيدفن غريباً في مخيم آخر، بعد غربته الأولى عن فلسطين.

كما أن تصاريح الدخول اليومية التي يفرضها الجيش اللبناني على كل داخل إلى المخيم، والانتظار عند الحاجز (قد يمتدّ لساعة ونصف)، تعيق حركة التواصل والعلاقات الاجتماعية بين المخيم ومحيطه.

ليس ذلك فحسب، بل لقد حرم النازحون "العائدون" من خطبائهم من أهل المخيم، حيث تنتدب وزارة الأوقاف اللبنانية شيخين لبنانيين يخطبان الجمعة في النازحين.. وذلك لأن "الحديث في السياسة ممنوع".

أما طلاب البارد فهم محرومون من حق التعلم، بسبب الظروف والتعقيدات الشديدة، ولم تحلّ قضيتهم حتى الآن.

عيد النازحين

ستوزع الأضاحي على النازحين، وقد توزّع بعض المؤسسات عليهم حصصاً غذائية، لكن من يمنحهم الكرامة، ومن يضمن لهم عودتهم إلى منازلهم؟

نازحو مخيم نهر البارد.. قدرهم أنهم يعيشون في بلد تنهشه الخلافات السياسية والمصالح الخارجية، فتحوّلوا إلى كبش فداء لحسابات سياسية، ثم انشغل الناس عنهم.

سيقضي نازحو مخيم نهر البارد عيدهم وفي القلب غصّة، من أولي القربى أولاً.

إنهم الوجع المنسيّ.. الذي يستصرخ الضمير الإنساني.