المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : أنا بوليس العالم ..


الفلامنجو
11-19-2007, 04:07 PM
أنا بوليس العالم ..

للشاعر و الكاتب الفلسطيني المُجيد مَجيد البرغوثي



[فقط الأعضاء المسجلين والمفعلين يمكنهم رؤية الوصلات]




أليس هذا عصراختزال الافكار والدول والمجتمعات في أشخاص وكلمات محدودة ومعدودة؟ لقد تم اختزال العراق في شخص الرئيس صدام حسين،

واختزل الرئيس بكلمة ديكتاتور، وتم تدمير العراق واعدام الرئيس تحت شعار تحرير ودمقرطة العراق، ولكن المقاومة العراقية ظلت خارج الاختزال .. واستمرت وتستمر حتى طرد الاحتلال الأمريكي. ويجري اختزال حماس اليوم باريع كلمات: ميليشيا خارجة على القانون .. ولكنها جزء من الشعب الفلسطيني وتظل مثله خارج الاختزال رغم اختلافات فتح وحماس. وفي المقابل، يختزل كثير من العرب والمسلمين امريكا بكلمة الشيطان الاكبر، واسرائيل بكلمة الشيطان الاصغر .. استمرارا لنفس النهج .. حتى ينتهي الاحتلال تماما من العراق كله وفلسطين كلها من النهر الى البحر .. هذه هي الحرب بمقدماتها ونتائجها ..

أما أنابوليس، فإنها تختزل الدور الامريكي في عالمنا .. ومن الطبيعي أن يقرا العربي ذلك الاسم هكذا: أنا .. بوليس فهما كلمتان سواء قرات الاسم بالعربية او بالانجليزية. ولا توجد مشكلة اذا عرفت ان معنى الاسم الاصلي ( Anna/ polis ) هو "مدينة آن" .. و آن هي ملكة بريطانيا في مطلع القرن الثامن عشر، وقد سميت المدينة باسمها. اما الاسم بالعربية فأمره مختلف .. وهو يوحي بالعنوان .. أنا بوليس العالم ..

ليس هذا تلاعبا بالكلمات .. فالكلمات هي التي تتلاعب بنا تلاعبا مأساويا أو مضحكا حسب سياقها: فالاستسلام للعدو والتنازل عن معظم فلسطين يسمى "سلاما"، والعالم العربي يشار اليه على أنه "الشرق الأوسط" وهذا مصطلح جغرافي يتجاهل الروح العربية تماما، واحتلال العراق يسمى تحريراً .. والجهاد من اجل تحرير العراق وفلسطين من الاحتلال يسمى إرهابا!

وهناك سبب ثانٍ لتداعي الكلمات ومعانيها .. وهو طبيعة اللغة العربية .. ففي معظم لغات اهل الأرض، تقرا الجملة ثم تفهم المعنى .. أما في لغتنا الجميلة، فيجب أن تفهم معنى الجملة أولا ثم تقرأ .. فإذا قرأت: "أججت الحرب الأحقاد بين الناس" فإنك لا تعرف هل الحرب هي التي اججت الاحقاد بين الناس أم أن الاحقاد هي التي أججت الحرب الا اذا تم تشكيل الجملة لتقرأ (بالضم) هكذا: أجَّجَّت الحربُ ( بالضم)الأحقادَ ( بالفتح) بين الناس. ومن لا يعرف " أنابوليس" سيلفظها: أنا .. بوليس .. ويظن التصاق الكلمتين معاً مجرد خطأ مطبعي الى أن يفهم أن أنابوليس هو اسم عاصمة ولاية ميريلاند الامريكية.

والسبب الثالث لتداعي المعاني يكمن في معرفة المزيد عن " أنابوليس" .. فهي تضم ما يلي:

الأكاديمية البحرية الأمريكية
هنا .. يعقد مؤتمر السلام أو التسوية النهائية او التمهيد للتصفية النهائية التي لن تكون أبداً ..

الاكاديمية المذكورة توظف الموارد المادية والعلمية والبشرية اللازمة لتزويد الاساطيل الامريكية بطواقم حاملات الطائرات والبوارج التي تجوب بحار العالم وترسو حيثما تشاء لتثير وتهدد وتحاصر الدول والاقاليم ..

شعار هذه الاكاديمية: رمح طويل الذراع في نهايته ثلاثة رؤوس فولاذية او اسنان مدببة مثل الخطاف وهو شعار اله البحر بوسايدون في الاساطير اليونانية، ويقابله نبتون، اله البحر عند الرومان. وربما كان " بودرياه " مثلهما رمزا لسطوة البحر. ومن مزايا رؤوس الرمح الثلاث انها تمكنه من اصطياد عدة سمكات ( أو دول) بضربة واحدة كما يستطيع حامل الرمح حشر سلاح العدو بين اسنانه الثلاثة ونزعه من يده .. وقد اعتاد المصارع الاقوى في روما القديمة أن يفعل ذلك ثم يحاصر عدوه داخل شبكة ليوجه له الطعنة الأخيرة بذلك الرمح. تلك هي الاكاديمية التي تخرج ضباط البحرية الامريكيية وجنود المارينز الذين يحتلون العراق وافغانستان ويستعدون لاحتلال مناطق اخرى حولنا لرسم خارطة الشرق الاوسط الجديد وحدوده بالدم.

كونتا كنتي وزمن استعباد المستضعفين
السبب الرابع الذي يدعو الى قراءة انابوليس كما ورد في العنوان هو كونتا كونتي. فمن شاهد مسلسل "الجذور - Roots " للكاتب الامريكي الافريقي الاصل، او قرا الكتاب .. يعرف أن كونتا كنتي كان اول انسان يصل من جامبيا الافريقية الى ميناء المدينة المذكورة ويباع فيها كعبد ضمن "شحنة" مكونة من 140 انسانا من جامبيا، وقد تم الاعلان عن وصولهم الى انابوليس على النحو التالي:



أنابوليس 29 سبتمبر 1767

تم استيرادهم للتو

على متن سفينة اللورد ليجونييه، القبطان ديفيز،

من نهر جامبيا، في افريقيا، وسيتم بيعهم ،

في انابوليس، نقدا، أو بأوراق مالية معتمدة، يوم الأربعاء، 7 اكتوبر القادم.

شحنة من العبيد الاصحاء المختارين.

*************************************



اعلان عن وصول سفينة الى انابوليس وهي تحمل "شحنة من العبيد"

من جامبيا في افريقيا، نشر في 1 اكتوبر 1767 - جريدة ميريلاند جازيت

*******************************************

وازدهرت انابوليس في القرنين التاليين على تجارة العبيد.

الهنود الحمر ..
السبب الخامس هو أن سكان انابوليس الاصليين كانوا من الهنود الحمر .. واذا نسي هؤلاء او اجبروا على نسيان موطنهم الاصلي بسبب المستوطنين البيض، فنحن – لاجئين ونازحين ومرحلين ومبعدين - لن ننسى اننا سكان فلسطين في الماضي والحاضر والمستقبل.

كامب ديفيد وواي بلانتيشن
وهما السبب السادس الذي يدعو الى تداعي المعاني وصولا الى عنوان هذا النص ..

فقد جرت فيهما محاولات تصفية القضية الفلسطينية على مراحل من خلال مباحثات مصرية اسرائيلية، وفلسطينية اسرائيلية بتشجيع رسمي عربي دولي .. وقد فشلت المباحثات الاخيرة في اقناع ياسر عرفات بالتنازل اكثر مما تنازل من قبل .. وتمسك بالحقوق الفلسطينية، فتجنب الداعون للمؤتمر عقده في المنتجعين المذكورين، فجرى اختيار مكان جديد هو الاكاديمية البحرية الامريكية، لعل المجتمعين فيها يحسون بثقل اليد الامريكية التي تمسك بالرمح الاسطوري العجيب.

واشنطن
والسبب السابع والاخير هو قرب انا بوليس من واشنطن العاصمة .. مقر الادارة الامريكية التي ستضغط عن كثب على الفلسطينيين ( طبعا) وتلوح بذراع رمحها الطويل من مسافة قريبة.

أنا بوليس العالم .. لا تختزل الشعب الامريكي ولكنها تختزل الادارات الامريكية المتعاقبة والمحافظين الصهاينة الجدد والقدامى الذين يجبرون الشعب الامريكي على التحدث بلسانهم ليقول: أنا بوليس العالم .. الكبير .. وحيد العصر والاوان .. ووحيد القرن .. وأي عربي او مسلم حر يرد على ذلك بكلمتين: الله اكبر.



ويستمر الصراع .. A Luta Continua ... the struggle continues

ذكرى
11-19-2007, 07:02 PM
مجهود رائع اخي


فلامنجو


بارك الله فيك

تقديري واحترامي