أم أسيل الأثرية
11-17-2007, 05:28 PM
الحياة الطيبة
الخطبة الأولى
الحمد لله الذي هدانا وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله ، أحمد سبحانه وأشكره على طيب الحياة ، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، المتفرد بالألوهية والربوبية في علاه ، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمداً عبده ورسوله ، الرحمة المهداه ، والنعمة المسداه ، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه ومن ولاه .
أما بعد :
فأوصيكم ونفسي بتقوى الله فهي سبيل النجاة في الدنيا والآخرة .
قال تعالى : (( من عمل صالحاً من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فلنحيينه حياة طيبة ولنجزينهم أجرهم بأحسن ما كانوا يعملون )) ، ذكر المفسرون أقوالاً عديدة في معنى الحياة الطيبة الواردة في الآية الكريمة فقالوا هي الرزق الحلال الطيب في الدنيا أو القناعة أو الرضا ونحو ذلك .
لكن ابن القيم رحمه الله تعالى وجه الأنظار إلى معنى أعمق فقال : ((الصواب أنها حياة القلب ونعيمه وبهجته وسروره بالإيمان، ومعرفة الله ومحبته والإنابة إليه والتوكل عليه ، فإنه لا حياة أطيب من حياة صاحبها، ولا نعيم فوق نعيمه إلا نعيم الجنة ، كما كان بعض العارفين يقول : إنه لتمر بي أوقات أقول فيها إن كان أهل الجنة في مثل هذا إنهم لفي عيش طيب ، وإذا كانت حياة القلب حياة طيبة تبعته حياة الجوارح ، فإنه ملكها )) انتهى .
صرنا في زمان كثرت فيه أسباب الهموم والأحزان ، فقد كثرت فيه الفتن والمحن ، وظهرت فيه البغضاء والإحن ، وكثرت فيه الشواغل ، ونزلت فيه بالناس الغوائل ، وتشعبت بالناس الشعاب .
الحياة المعاصرة أبدعت في أساليب الرفاهية والمتعة لبني البشر ؛ لكنها لم تستطيع تأمين الحياة الطيبة ، سعادة القلب واطمئنان النفس ، لقد بلغ العلم الحديث درجة عالية من الرقي فلم يحقق إلا متعة حسية ، ولذة ظاهرية، ورفاهية آلية لم تبلغ مكونات النفس ، ولم تتذوق بها النفس الحياة الطيبة.
يتصور بعض الناس الحياة الطيبة مقترنة بالأضواء البراقة ، والمناصب الخادعة ، والمركبات الفارهة.. ويتصورها آخرون مع تكديس الأموال ، والانغماس في أوحال الشهوات ، واحتساء سموم المخدرات .. وآخرون مع تشييد القصور الفخمة ، والاتكاء على الأرائك المخملية .
إن اليأس والقلق ، والأسى ، والألم ، يموج في العالم ، والتمرد ، والتمزق ، والمأساة ، والشقاء.. سمة الحياة المعاصرة ، هناك فوضى تأخذ بخناق العالم .. تبعثر كل ما بقي من نظام ، وتسعى إلى تمزيق الحياة . الحياة الطيبة ، الحياة الآمنة ، الهادئة الهانئه المستقرة مطلب كل إنسان ومقصد كل عاقل . كيف نتذوقها في أنفسنا ، ونعيشها في مجتمعنا ؟ كيف نؤمنها للأجيال القادمة ، قال تعالى : ((من عمل صالحاً من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فلنحيينه حياة طيبة )) .
اشترط سبحانه الإيمان حتى ينفع العمل الصالح الذي يثمر طيب العيش ويجعله قرير العين ، هنئ النفس ، صالح البال ، فيجمع له أمره ويرزقه الرضا والحياة الطيبة .
الإيمان الحق بالله تعالى رباً ومعبوداً هو السبب الأعظم للحياة الطيبة.. (( من عمل صالحاً من ذكر أو أنثى وهو مؤمن )) .
فإذا عرف العبد ربه تبارك وتعالى بصفاته وأسمائه الحسنى ، عرف معنى ربوبيته سبحانه وأنه هو المالك للأمر كله ، بيده نواصي جميع الخلق ؛ فإنه لا يخشى أحداً غيره ، ولا يذل لأحد سواه .
انظر إلى نبي الله هود عليه السلام كيف تحدى قومه جميعاً حينما خوفوه بآلهتهم الباطلة فقال لهم: ((إني أشهد الله واشهدوا أني بري مما تشركون من دونه فكيدوني جميعاً ثم لا تنظرون إني توكلت على الله ربي وربكم ما من دابة إلا هو آخذ بناصيتها إن ربي على صراط مستقيم )) .
من ملك هذا الكون ومالكه ؟ من خالقه ؟! .. إنه الله ، خالق كل شيء ، رب كل شيء ، مدبر الأمر وحده الخافض الرافع ، المعز المذل ، الضار النافع ، هو الذي بيده ملكوت كل شيء ، هو على كل شيء قدير، قيوم السماوات والأرض ، فإذا علم العبد ذلك فقد وجب عليه ألا يخشى إلا ربه، وألا يبتغي العزة إلا في طاعته والتذلل لعظمته ، وألا يتجه إلى غيره ولا يتعلق قلبه بسواه ، وأن يلجأ إليه وحده في كل ما يلم به من المصائب والشدائد فهو ربه ومالكه ، ومصلح أمره ومدبره .. وحينئذ تطمئن نفسه ويثبت جأشه ويقوى قلبه ؛ لأنه يعلم أنه يأوي إلى ركن شديد ويحتمي بملك الملوك ، فقد توكل على الحي الذي لا يموت ، وهذا يجعل نفسه دائماً مطمئنة وحياته طيبه .
من كان كذلك تحقق له الأمن والأمان وطمأنينة النفس ؛ لأنه حينئذ يكون عبداً لرب واحد فيكون له توجه واحد ، فلا تتحرق نفسه ، ولا تتعدد وجهته .
فالعبد الذي يعلم أن الله تعالى هو مالك الملك وحده وهو أحكم الحاكمين لا يتجه إلى غيره لكشف ضر أو جلب نفع .
أما من كان له ولي يدعوه من دون الله ، أو حاكم يطيعه في شرع الله ، أو شهوة قد تعلق بها في معصية الله ، أو طاغيه يرجوه خوفاً من ظلمه وبطشه ، أو دنيا قد استعبدته من دون الله .. فهذا هو الشقي الذي يتنازعه شركاء متشاكسون ، قال تعالى : (( ضرب الله مثلاً رجلاً فيه شركاء متشاكسون ورجلاً سلماً لرجل هل يستويان مثلاً الحمد لله بل أكثرهم لا يعلمون )) .
من أسباب الحياة الطيبة تقوى الله بأداء الفرائض واجتناب المعاصي ، فإذا كنت في ضيق وشدة فاتق الله في أمرك وفي مآلك .
قال تعالى : (( ألا إن أولياء الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون ، الذين آمنوا وكانوا يتقون ، لهم البشرى في الحياة الدنيا وفي الآخرة لا تبديل لكلمات الله ذلك هو الفوز العظيم )) .. فالمؤمن التقي من أطيب الناس عيشاً ، وأنعمهم بالاً ، وأشرحهم صدراً ، وأسرهم قلباً ، وهذه جنة عاجلة قبل الجنة الآجلة .
الصلاة من أعظم الأسباب لتحقيق الحياة الطيبة .. تشرح الصدر وتذهب ضيقه .. وترسل في القلب نبضات الطمأنينة والراحة .. فلا يزال العبد كأنه في سجن وضيق حتى يدخل فيها فيستريح بها لا منها .. تمد العبد بقوة إيمانية ، وتعينه على مهمات الحياة ومصائبها ، وبها تزول الهموم والغموم والأحزان ، قال الله عز وجل : (( واستعينوا بالصبر والصلاة وإنها لكبيرة إلا على الخاشعين )) وفي الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم : ((كَانَ إِذَا حَزَبَهُ أَمْر فَزِعَ إِلَى الصَّلَاة )) أخرجه البخاري .
ومن أهم أسباب الحياة الطيبة دوام الذكر فالذكر طمأنينة للقلب وأمان للنفس وحفظ لها من الشرور ، والقلب الممتلئ بذكر الله قلب قوي ، لا يخاف غير الله تعالى ، ولا يخشى أحداً إلا الله وذلك لأنه يستشعر دائماً معية الله ونصرته فهو سبحانه القائل في الحديث القدسي : (( أَنَا مَعَ عَبْدِي مَا ذَكَرَنِي وَتَحَرَّكَتْ بِي شَفَتَاهُ )) أخرجه أحمد .
من أسباب الحياة الطيبة في الدنيا والآخرة هداية الله للعبد إلى التوبة والاستغفار ، كلما أصاب ذنباً أو هم بمعصية . قال تعالى : (( إن الذين اتقوا إذا مسهم طائف من الشيطان تذكروا فإذا هم مبصرون )) .
سر الحياة الطيبة القناعة بالزرق والرضا بما قسم الله ، يجلي هذا المعنى حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم : ((مَنْ أَصْبَحَ مِنْكُمْ آمِنًا فِي سِرْبِهِ مُعَافًى فِي جَسَدِهِ عِنْدَهُ قُوتُ يَوْمِهِ فَكَأَنَّمَا حِيزَتْ لَهُ الدُّنْيَا )) رواه الترمذي . وقال صلى الله عليه وسلم : (( قَدْ أَفْلَحَ مَنْ أَسْلَمَ وَرُزِقَ كَفَافًا وَقَنَّعَهُ اللَّهُ بِمَا آتَاهُ )) رواه مسلم .
التطلع إلى زهرة الدنيا تتقلب في أيدي الناس .. تورثك هماً ينغص عيشك ، وغماً يكدر حياتك، إن أهم أمر يسبب نكد حياة كثير من الناس في هذه الأيام هو عدم الرضا بما أوتوا ، وكل منا ينظر إلى ما أوتيه من هو فوقه مالاً ومنصباً ، وهذا الحديث يرشد إلى منهج سديد بقوله صلى الله عليه وسلم: ((انْظُرُوا إِلَى مَنْ هُوَ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَلَا تَنْظُرُوا إِلَى مَنْ هُوَ فَوْقَكُمْ فَإِنَّهُ أَجْدَرُ أَنْ لَا تَزْدَرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ )) رواه الترمذي . إنه مهما قل مالك، وساءت حالك ، أحسن من آلاف البشر ممن لا يقل عنك فهماً وعلماً وحسباً ونسباً .
إن الحياة قصيرة فلا تسلمها للهموم تفسدها ، وللأكدار تقتلها وقد قال أحدهم : (( راحة الجسم في قلة الطعام ، وراحة النفس في قلة الآثام ، وراحة القلب في قلة الاهتمام ، وراحة اللسان في قلة الكلام )) .
إن إضفاء مسحة من الأمل في المستقبل والتفاؤل في الحياة يغمر القلب بالبهجة ويعمر الحياة بالسرور ليهنأ المسلم في عيشه ويغدو مسيح الآلام فسيح الآمال حسن الظن بالله .
تزهو الحياة وتطيب باصطناع المعروف .. وإغاثة الملهوف .. قضاء حوائج الناس .. إدخال السرور عليهم .. المشي في حوائجهم .
تتلذذ أيها المسلم بالحياة وتشعر بالحبور حين تدخل على قلوب البؤساء والضعفاء السرور ، نعم تسري في كيانك السعادة حين توفر السعادة لأي إنسان .
أفكارك الخيرة ترسم مسارك ، وأعمالك النافعة تبهج أيامك ، ومن سما بأفكاره سما بحياته فتغدوا هنيئة طيبة فرحة مستبشرة ؛ ذلك أن الأفكار السميا تبعث في الحياة الروح والأهداف النبيلة تجعلك تحلق في أجواء بعيدة عن الأنتان والحش ، تشكر الله على كل نعمة وتصبر على كل بلية قال تعالى : (( وما أموالكم ولا أولادكم بالتي تقربكم عندنا زلفى إلا من آمن وعمل صالحاً )) ..
بارك الله لي ولكم في القرآن ....
الخطبة الأولى
الحمد لله الذي هدانا وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله ، أحمد سبحانه وأشكره على طيب الحياة ، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، المتفرد بالألوهية والربوبية في علاه ، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمداً عبده ورسوله ، الرحمة المهداه ، والنعمة المسداه ، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه ومن ولاه .
أما بعد :
فأوصيكم ونفسي بتقوى الله فهي سبيل النجاة في الدنيا والآخرة .
قال تعالى : (( من عمل صالحاً من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فلنحيينه حياة طيبة ولنجزينهم أجرهم بأحسن ما كانوا يعملون )) ، ذكر المفسرون أقوالاً عديدة في معنى الحياة الطيبة الواردة في الآية الكريمة فقالوا هي الرزق الحلال الطيب في الدنيا أو القناعة أو الرضا ونحو ذلك .
لكن ابن القيم رحمه الله تعالى وجه الأنظار إلى معنى أعمق فقال : ((الصواب أنها حياة القلب ونعيمه وبهجته وسروره بالإيمان، ومعرفة الله ومحبته والإنابة إليه والتوكل عليه ، فإنه لا حياة أطيب من حياة صاحبها، ولا نعيم فوق نعيمه إلا نعيم الجنة ، كما كان بعض العارفين يقول : إنه لتمر بي أوقات أقول فيها إن كان أهل الجنة في مثل هذا إنهم لفي عيش طيب ، وإذا كانت حياة القلب حياة طيبة تبعته حياة الجوارح ، فإنه ملكها )) انتهى .
صرنا في زمان كثرت فيه أسباب الهموم والأحزان ، فقد كثرت فيه الفتن والمحن ، وظهرت فيه البغضاء والإحن ، وكثرت فيه الشواغل ، ونزلت فيه بالناس الغوائل ، وتشعبت بالناس الشعاب .
الحياة المعاصرة أبدعت في أساليب الرفاهية والمتعة لبني البشر ؛ لكنها لم تستطيع تأمين الحياة الطيبة ، سعادة القلب واطمئنان النفس ، لقد بلغ العلم الحديث درجة عالية من الرقي فلم يحقق إلا متعة حسية ، ولذة ظاهرية، ورفاهية آلية لم تبلغ مكونات النفس ، ولم تتذوق بها النفس الحياة الطيبة.
يتصور بعض الناس الحياة الطيبة مقترنة بالأضواء البراقة ، والمناصب الخادعة ، والمركبات الفارهة.. ويتصورها آخرون مع تكديس الأموال ، والانغماس في أوحال الشهوات ، واحتساء سموم المخدرات .. وآخرون مع تشييد القصور الفخمة ، والاتكاء على الأرائك المخملية .
إن اليأس والقلق ، والأسى ، والألم ، يموج في العالم ، والتمرد ، والتمزق ، والمأساة ، والشقاء.. سمة الحياة المعاصرة ، هناك فوضى تأخذ بخناق العالم .. تبعثر كل ما بقي من نظام ، وتسعى إلى تمزيق الحياة . الحياة الطيبة ، الحياة الآمنة ، الهادئة الهانئه المستقرة مطلب كل إنسان ومقصد كل عاقل . كيف نتذوقها في أنفسنا ، ونعيشها في مجتمعنا ؟ كيف نؤمنها للأجيال القادمة ، قال تعالى : ((من عمل صالحاً من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فلنحيينه حياة طيبة )) .
اشترط سبحانه الإيمان حتى ينفع العمل الصالح الذي يثمر طيب العيش ويجعله قرير العين ، هنئ النفس ، صالح البال ، فيجمع له أمره ويرزقه الرضا والحياة الطيبة .
الإيمان الحق بالله تعالى رباً ومعبوداً هو السبب الأعظم للحياة الطيبة.. (( من عمل صالحاً من ذكر أو أنثى وهو مؤمن )) .
فإذا عرف العبد ربه تبارك وتعالى بصفاته وأسمائه الحسنى ، عرف معنى ربوبيته سبحانه وأنه هو المالك للأمر كله ، بيده نواصي جميع الخلق ؛ فإنه لا يخشى أحداً غيره ، ولا يذل لأحد سواه .
انظر إلى نبي الله هود عليه السلام كيف تحدى قومه جميعاً حينما خوفوه بآلهتهم الباطلة فقال لهم: ((إني أشهد الله واشهدوا أني بري مما تشركون من دونه فكيدوني جميعاً ثم لا تنظرون إني توكلت على الله ربي وربكم ما من دابة إلا هو آخذ بناصيتها إن ربي على صراط مستقيم )) .
من ملك هذا الكون ومالكه ؟ من خالقه ؟! .. إنه الله ، خالق كل شيء ، رب كل شيء ، مدبر الأمر وحده الخافض الرافع ، المعز المذل ، الضار النافع ، هو الذي بيده ملكوت كل شيء ، هو على كل شيء قدير، قيوم السماوات والأرض ، فإذا علم العبد ذلك فقد وجب عليه ألا يخشى إلا ربه، وألا يبتغي العزة إلا في طاعته والتذلل لعظمته ، وألا يتجه إلى غيره ولا يتعلق قلبه بسواه ، وأن يلجأ إليه وحده في كل ما يلم به من المصائب والشدائد فهو ربه ومالكه ، ومصلح أمره ومدبره .. وحينئذ تطمئن نفسه ويثبت جأشه ويقوى قلبه ؛ لأنه يعلم أنه يأوي إلى ركن شديد ويحتمي بملك الملوك ، فقد توكل على الحي الذي لا يموت ، وهذا يجعل نفسه دائماً مطمئنة وحياته طيبه .
من كان كذلك تحقق له الأمن والأمان وطمأنينة النفس ؛ لأنه حينئذ يكون عبداً لرب واحد فيكون له توجه واحد ، فلا تتحرق نفسه ، ولا تتعدد وجهته .
فالعبد الذي يعلم أن الله تعالى هو مالك الملك وحده وهو أحكم الحاكمين لا يتجه إلى غيره لكشف ضر أو جلب نفع .
أما من كان له ولي يدعوه من دون الله ، أو حاكم يطيعه في شرع الله ، أو شهوة قد تعلق بها في معصية الله ، أو طاغيه يرجوه خوفاً من ظلمه وبطشه ، أو دنيا قد استعبدته من دون الله .. فهذا هو الشقي الذي يتنازعه شركاء متشاكسون ، قال تعالى : (( ضرب الله مثلاً رجلاً فيه شركاء متشاكسون ورجلاً سلماً لرجل هل يستويان مثلاً الحمد لله بل أكثرهم لا يعلمون )) .
من أسباب الحياة الطيبة تقوى الله بأداء الفرائض واجتناب المعاصي ، فإذا كنت في ضيق وشدة فاتق الله في أمرك وفي مآلك .
قال تعالى : (( ألا إن أولياء الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون ، الذين آمنوا وكانوا يتقون ، لهم البشرى في الحياة الدنيا وفي الآخرة لا تبديل لكلمات الله ذلك هو الفوز العظيم )) .. فالمؤمن التقي من أطيب الناس عيشاً ، وأنعمهم بالاً ، وأشرحهم صدراً ، وأسرهم قلباً ، وهذه جنة عاجلة قبل الجنة الآجلة .
الصلاة من أعظم الأسباب لتحقيق الحياة الطيبة .. تشرح الصدر وتذهب ضيقه .. وترسل في القلب نبضات الطمأنينة والراحة .. فلا يزال العبد كأنه في سجن وضيق حتى يدخل فيها فيستريح بها لا منها .. تمد العبد بقوة إيمانية ، وتعينه على مهمات الحياة ومصائبها ، وبها تزول الهموم والغموم والأحزان ، قال الله عز وجل : (( واستعينوا بالصبر والصلاة وإنها لكبيرة إلا على الخاشعين )) وفي الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم : ((كَانَ إِذَا حَزَبَهُ أَمْر فَزِعَ إِلَى الصَّلَاة )) أخرجه البخاري .
ومن أهم أسباب الحياة الطيبة دوام الذكر فالذكر طمأنينة للقلب وأمان للنفس وحفظ لها من الشرور ، والقلب الممتلئ بذكر الله قلب قوي ، لا يخاف غير الله تعالى ، ولا يخشى أحداً إلا الله وذلك لأنه يستشعر دائماً معية الله ونصرته فهو سبحانه القائل في الحديث القدسي : (( أَنَا مَعَ عَبْدِي مَا ذَكَرَنِي وَتَحَرَّكَتْ بِي شَفَتَاهُ )) أخرجه أحمد .
من أسباب الحياة الطيبة في الدنيا والآخرة هداية الله للعبد إلى التوبة والاستغفار ، كلما أصاب ذنباً أو هم بمعصية . قال تعالى : (( إن الذين اتقوا إذا مسهم طائف من الشيطان تذكروا فإذا هم مبصرون )) .
سر الحياة الطيبة القناعة بالزرق والرضا بما قسم الله ، يجلي هذا المعنى حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم : ((مَنْ أَصْبَحَ مِنْكُمْ آمِنًا فِي سِرْبِهِ مُعَافًى فِي جَسَدِهِ عِنْدَهُ قُوتُ يَوْمِهِ فَكَأَنَّمَا حِيزَتْ لَهُ الدُّنْيَا )) رواه الترمذي . وقال صلى الله عليه وسلم : (( قَدْ أَفْلَحَ مَنْ أَسْلَمَ وَرُزِقَ كَفَافًا وَقَنَّعَهُ اللَّهُ بِمَا آتَاهُ )) رواه مسلم .
التطلع إلى زهرة الدنيا تتقلب في أيدي الناس .. تورثك هماً ينغص عيشك ، وغماً يكدر حياتك، إن أهم أمر يسبب نكد حياة كثير من الناس في هذه الأيام هو عدم الرضا بما أوتوا ، وكل منا ينظر إلى ما أوتيه من هو فوقه مالاً ومنصباً ، وهذا الحديث يرشد إلى منهج سديد بقوله صلى الله عليه وسلم: ((انْظُرُوا إِلَى مَنْ هُوَ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَلَا تَنْظُرُوا إِلَى مَنْ هُوَ فَوْقَكُمْ فَإِنَّهُ أَجْدَرُ أَنْ لَا تَزْدَرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ )) رواه الترمذي . إنه مهما قل مالك، وساءت حالك ، أحسن من آلاف البشر ممن لا يقل عنك فهماً وعلماً وحسباً ونسباً .
إن الحياة قصيرة فلا تسلمها للهموم تفسدها ، وللأكدار تقتلها وقد قال أحدهم : (( راحة الجسم في قلة الطعام ، وراحة النفس في قلة الآثام ، وراحة القلب في قلة الاهتمام ، وراحة اللسان في قلة الكلام )) .
إن إضفاء مسحة من الأمل في المستقبل والتفاؤل في الحياة يغمر القلب بالبهجة ويعمر الحياة بالسرور ليهنأ المسلم في عيشه ويغدو مسيح الآلام فسيح الآمال حسن الظن بالله .
تزهو الحياة وتطيب باصطناع المعروف .. وإغاثة الملهوف .. قضاء حوائج الناس .. إدخال السرور عليهم .. المشي في حوائجهم .
تتلذذ أيها المسلم بالحياة وتشعر بالحبور حين تدخل على قلوب البؤساء والضعفاء السرور ، نعم تسري في كيانك السعادة حين توفر السعادة لأي إنسان .
أفكارك الخيرة ترسم مسارك ، وأعمالك النافعة تبهج أيامك ، ومن سما بأفكاره سما بحياته فتغدوا هنيئة طيبة فرحة مستبشرة ؛ ذلك أن الأفكار السميا تبعث في الحياة الروح والأهداف النبيلة تجعلك تحلق في أجواء بعيدة عن الأنتان والحش ، تشكر الله على كل نعمة وتصبر على كل بلية قال تعالى : (( وما أموالكم ولا أولادكم بالتي تقربكم عندنا زلفى إلا من آمن وعمل صالحاً )) ..
بارك الله لي ولكم في القرآن ....