المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : اكذوبة بيع اراضي عرب فلسطين


الفلامنجو
10-05-2007, 12:34 AM
اكذوبة بيع اراضي عرب فلسطين



فلسطين وأكذوبة بيع الأراضي
د. هند أمين البديري**

راجت في الأوساط العربية وفي زمن الانكسار العربي فرية "بيع الفلسطينيين"!! لأراضيهم، وردًا على هذه الفرية، وبعيدًا عن الدخول في الخلفيات والملابسات السياسية نقول بأن عمليات اغتصاب أراضي فلسطين تمت على مراحل استغرقت نحو قرن ونصف من الزمان بين تخطيط وتنفيذ.

بداية من القرن التاسع عشر أثناء الحكم العثماني: وذلك حين التقت مصالح كل من الإمبراطورية البريطانية، وأثرياء يهود أوروبا الغربية لحل مشكلة الفائض البشرى اليهودي الذي اندفع إلى أوروبا الغربية، إثر تغير نمط الإنتاج من زراعي إلى صناعي ثم مع تحول النظام الإقطاعي إلى رأسمالي.

إثر ذلك تم تهميش دور اليهود التاريخي القائم على أعمال الوساطة والتجارة والربا والأعمال الحرفية، كأوجه نشاط تقليدية لليهود، بسبب عجزهم عن التحول إلى البروليتاريا الجديدة وبخاصة في أوروبا الشرقية؛ الأمر الذي أدى إلى تدهور أوضاع اليهود بعنف.

وسادت البطالة بين الطبقة البرجوازية الصغيرة، في أوروبا الشرقية، وهو ما دفع بموجات كبيرة من المهاجرين إلى أوروبا الغربية التي كانت تشهد فترة ازدهار اقتصادي، كان اليهود أثناءها في بداية الاندماج في مجتمعاتهم الغربية (عن طريق التزاوج الذي بلغت نسبته نحو 50%، كما كان للأفكار التحررية التي سادت بعد الثورة الفرنسية والاستقلال الأمريكي، فضلا عن بروز تيار إصلاحي جديد لتطهير الدين اليهودي من محتواه العنصري والقومي دورا كبيرا ساعد على هذا الاندماج).

وهكذا فقد كانت هذه الهجرة وبالا على يهود غرب أوروبا, لما نجم عنها من ضغوط اقتصادية كان لها انعكاسات سلبية على المجتمعات الغربية عادت معها فكرة معاداة السامية من جديد إلى الوجود، والتي أصبحت منذ ذلك الوقت فصاعدا إحدى الدعامات الهامة في دفع اليهود للتوجه الصهيوني كحل لمشكلة اقتصادية وخاصة في فترة المد الاستعماري.

وهكذا سعت البرجوازية والرأسمالية إلى توظيف الفكر الديني واستغلاله بما يخدم مصالحها، فعملت على إحياء فكرة "أرض الميعاد"، وروجت للفوائد المالية الجمة التي سيجنيها اليهود وفرص العمل الكبيرة والاستثمارات الواسعة فيما إذا كان لهم "وطن" خاص بهم. وساهم بروز تيار القوميات، واشتداد زخمها بين الأقليات والشعوب المستضعفة في القرن التاسع عشر إلى نجاح هذا الطرح.

ولتحقيق هذه الغاية المنشودة في إقامة "وطن لليهود في فلسطين"، عرض اليهود أن يكونوا رأس حربة في منطقة المشرق العربي لخدمة الاستعمار وأهدافه مقابل تأمين وحماية الغرب "للوطن القومي المزمع إقامته في فلسطين"، خاصة أن كبريات الدول الاستعمارية، كانت تخوض معارك ضارية للسيطرة على مناطق النفوذ بالعالم. ولما كانت مصالح الدول الاستعمارية على رأس أولوياتها، فقد تنافست فيما بينها لتبنى هذا المشروع. وكان كسب السبق لبريطانيا لاهتمامها الشديد بالمنطقة لأنها على طرق مواصلاتها الإمبراطورية التي لم تكن تغرب عنها الشمس.

فبدأ التخطيط والإعداد لهذا المشروع الذي دشن بعد إصدار بريطانيا لتعهد رسمي بإقامة مشروع إسكان لليهود في فلسطين عام 1841 (بما يمكن اعتباره مسودة لوعد بلفور عام 1917 اللاحق) بعد افتتاح القنصلية البريطانية عام 1839 في القدس، والتي لعبت دورا هاما في ترسيخ أقدام اليهود في فلسطين.

توالت هجرات اليهود إلى فلسطين لأهداف استيطانية استعمارية بحتة، خاصة بعد أن تبلور المشروع الصهيوني إثر مؤتمر بال عام 1897، وما تلا ذلك من احتلال بريطاني لبئر السبع جنوب فلسطين، في 31-10-1917 تلاه إصدارها لوعد بلفور, في 2-11-1917 والذي اعتبرته إحدى أهم نتائج الحرب العالمية الأولى ثم امتد احتلالها لباقي فلسطين بعد احتلال القدس في 31-12-1917 ثم ما لبث أن أصبح وعد بلفور التزاما دوليا خاصة بعد صدور صك الانتداب عام 1922 عن عصبة الأمم.

استمر الاحتلال البريطاني لفلسطين حتى عام 1948 أي نحو ثلث قرن لم يتمكن خلالها وبرغم الإجراءات الغريبة والعجيبة التي لجأت إليها سلطات الاحتلال لانتزاع أراضى الفلسطينيين (التي سنعرض لها بعد قليل) بسبب مقاومتهم العنيدة، وهكذا فإن كل ما استطاع الاحتلال الإسرائيلي انتهابه لم يزد بحال عن 6,6% من إجمالي مساحة فلسطين حتى عام 1948 قبل الحرب، أما نسب 5.77%من أراضي فلسطين (النسب المذكورة مأخوذة عن مصادر صهيونية وبريطانية ) التي أصبحت بحوزة اليهود بعد الحرب، والهدنة وما تلاها من اتفاقات فقد تم بالقوة الجبرية وهكذا لا يمكن للمحتل أن ينال أي شرعية على هذه الأراضي طبقا لكل المواثيق والأعراف الدولية فالحقوق لا تسقط بالتقادم.

أما الفرية التي روجت لها الصهيونية بشكل غير مسبوق فيما يتعلق ببيع الفلسطينيين لأراضيهم فقد كانت بهدف تغطية جرائمها ومجازرها الوحشية التي ارتكبتها أثناء الحرب التي شنتها قوات الاحتلال الإسرائيلي لطرد الفلسطينيين من أراضيهم، وهذا ليس ما أعطاهم إياه حق التقسيم ولكن لتوسع حدود المحتل، والسيطرة علي المناطق الإستراتيجية في فلسطين وهذا من ناحية، ولكن من ناحية أخري نجد أن قوات الاحتلال قامت بتشويه صورة الفلسطينيين أمام إخوانهم العرب حتى لا يتعاطفوا معهم أو يساندوهم في معاركهم لاسترداد أراضيهم.

وللرد العملي على هذه الفرية نعرض للمراحل الثلاث التي انتهت بنكبة عام 1948والتي كانت بداية نكبات متتالية لفلسطين والعالم العربي أرضا وشعبا، لم تتوقف حتى الآن:

المرحلة الأولى: فترة الحكم العثماني
كانت فلسطين إحدى ولايات الدولة العثمانية الإسلامية والتي ورثت "حق الرقبة" الذي كان سائدا منذ بداية العهد الإسلامي. وكانت قوانين الدولة تمنع بقاء اليهود في فلسطين أو حيازتهم لأراضيها، طبقًا لما كان سائدًا منذ العهدة العمرية التي استجابت لمطلب المسيحيين بإقصاء اليهود عن فلسطين هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى بسبب أطماع اليهود فيها.

نلقى الضوء هنا على كلمتي حيازة وملكية للتفريق بينهما:

فالملكية: هي الحق المطلق لصاحب الأرض يتصرف بها كيف يشاء بيعا ورهنا وتوريثا بما في ذلك، من تغيير لطبيعتها من زراعية إلى مبان وبالعكس. وهي إما ملكية خاصة للأفراد أو عامة حينئذ تكون فيها الحقوق للدولة (ممثلة بجماعة المسلمين) وكانت هذه الملكية تدعى بـ"حق الرقبة".

أما حق الحيازة: فهو حق انتفاع لأصحاب الأرض الأصليين تماثل مع حق الملكية بيعًا ورهنا وتوريثًا مع فارق واحد هو عدم جواز تغيير طبيعة الأراضي الزراعية لأسباب اقتصادية بحتة؛ وذلك لاهتمام الدولة العثمانية بجمع أكبر قدر ممكن من الضرائب المفروضة على الأراضي الزراعية.

جدير بالذكر أنه لم يكن لليهود أي حيازات للأراضي الزراعية في فلسطين حتى عام 1868، كما لم يزد عددهم حتى عام 1877 عن 1.3 %، لإجمالي عدد سكان فلسطين، وهؤلاء كان بعضهم عربا وجلهم من الحجيج اليهود الذين تقطعت بهم السبل بعد حرب القرم، ولم يتمكنوا من العودة إلي بلادهم، وعاشوا في فلسطين على الصدقات.

لكن إنجاز المشروع الاستيطاني اليهودي في فلسطين أخذ يسير بوتيرة متسارعة حيث تمكن اليهود بواسطة دعم بريطاني ضخم، وعن طريق التحايل على القوانين العثمانية، بأساليب ملتوية، وهو ما أدى من اقتناص (118.000) دونم. (الدونم يساوي ألف م2- حوالي 28000 فدان)، وكذا مضاعفة عدد اليهود في فلسطين الذي وصل عام 1915 إلى 38 ألف يهودي بنسبة 3. 5% لسكان عرب فلسطين، ارتفع عام 1918 إلى 5. 8% من عدد السكان.

كما استغل اليهود فترة انشغال الدولة العثمانية في الحرب العالمية الأولى فاحتلوا أراضي من الفلسطينيين حتى بلغ مجموع ما حازوه بين 1914-1917 (581ر363) دونم.

وهكذا أصبح إجمالي ما حاز اليهود من أراض في فلسطين حتى نهاية الحكم العثماني وبداية الاحتلال البريطاني عام 1917 (581ر245 دونم).

وهنا تعتبر بريطانيا مسؤولة بالدرجة الأولى عن تمرير هذه الأراضي لليهود. ويليها بالمسؤولية الدولة العثمانية (التي باعت، لكبار الملاك اللبنانيين والسوريين، القرى التي عجزت عن تسديد ديونها، بسبب استنزاف السلطات العثمانية، بفرضها الضرائب الباهظة المستمرة).

الأمر الذي خلق نواة الوطن "القومي اليهودي" على أرض فلسطين، فوق هذه المساحة الضئيلة جدا ولكنها كافية لنمو هذا الجنين السرطاني السفاح، الذي تعهدته بريطانيا بكافة أصناف الرعاية، حتى استفحل خطره وانتشر وباؤه مدمرا يعصف بفلسطين وشعبها.

المرحلة الثانية: فترة الاحتلال البريطاني
الدور المحوري لبريطانيا في تدمير فلسطين وإقامة الكيان الصهيوني على أنقاضها:

بدأت هذه المرحلة مع احتلال بئر السبع في 31-10-1917 وإلحاق أول هزيمة بالأتراك في فلسطين تلاها وعد بلفور في 2-11-1917 الذي أتبعته بريطانيا باحتلال القدس في ديسمبر 1917، لتصبح فلسطين بأكملها تحت الاحتلال البريطاني، ثم ما لبثت أن انضمت إليها البعثة الصهيونية عام 1918 برئاسة وايزمان والتي شكلت على غرار وزارة رفيعة المستوى لتقدم خططها الجاهزة المتمحورة حول إنشاء "وطن قومي" لليهود في فلسطين، عن طريق اغتصاب أراضي فلسطين، والسيطرة على مواردها المائية، وثرواتها المعدنية، وتقويض اقتصادها للقيام بعملية إحلال واستبدال طبقًا للمقولة التي ابتدعوها "أرض بلا شعب، لشعب بلا أرض"، ليداروا سوءاتهم أمام العالم وليخفوا أهدافهم التوسعية القائمة على القضم والهضم، أو ما يعرف بسياسة التجمع والاقتحام. يبتلعون الأراضي قطعة، إثر قطعة ثم يستوردون المهاجرين لمزيد من الأرض ومزيد من الأرض لمزيد من المهاجرين. في متوالية هندسية لا تنتهي. (آخرها مشروع شارون في أن يصبح عدد سكان "إسرائيل" عام 2015, خمسة عشر مليونا) بينما هم الآن خمسة ملايين، وقد حرص الصهاينة منذ البداية للحصول على غطاء شرعي وسياسي لكيانهم المزمع إقامته، كما حرصوا على دعمه بالتزام دولي يعمل على خلق هذا الكيان "المنوي إنشاؤه".

وقد كان لهم ما أرادوا فحصلوا على وعد بالفور أولا، ثم تمكنوا من تحويله لالتزام دولي، حين صدرت موافقة عصبة الأمم على صك" الانتداب البريطاني" على فلسطين عام 1922.

بل ما هو أكثر من ذلك حين تبنى هذا الصك خطط البعثة الصهيونية بحذافيرها التي قدمت إلى فلسطين عام 1918، ليس هذا فحسب بل أقر الصك مشروعية "وكالة يهودية" لإسداء المشورة للسلطات البريطانية ومساعدتها على تنفيذ هذه المهام باقتدار، وهو ما يمكن وصفه بتغليف جسم الدولة اليهودية المنوي إقامتها بثياب بريطانية حتى يشتد عودها وتتحمل بنفسها مسئولية الدولة القادمة.

وقامت السلطات البريطانية، سواء العسكرية 1917، أو المدنية منذ عام 1920، وحتى قبل أن تكتسب أي صفة شرعية لها في فلسطين (أي قبل صدور "صك الانتداب" عام 1922، والذي لم يتم اعتماده والتوقيع عليه إلا عام 1923، أي فترة ثلاث سنوات) بسن قوانين بالغة الخطورة تتنافى مع كل الأعراف والقوانين الدولية، وتمثلت بالتالي في الآتي:

1. في 18 نوفمبر عام 1917 تم إغلاق دوائر تسجيل الأراضي، وفي 24 إبريل 1918 منعت أي تعاملات خاصة بالتصرف بالأموال غير المنقولة، كما حددت الإيجارات في الأراضي الزراعية بمدة لا تزيد عن ثلاث سنوات حتى لا يكتسب المستأجر أي حقوق عليها.

2. وفي أوائل أكتوبر عام 1918 صدر منشور كانت أخطر مواده المادة رقم ( 5) التي ألغت حقوق التقادم في إثبات الحقوق فوق الأراضي، والذي كان يدعمه سابقا القانون العثماني بإعطاء حق حيازة الأراضي المستصلحة وانتقالها بيعا ورهنا وتوريثا لمستصلح الأرض ولأولاده من بعده متى ثبت أنه زرعها عشر سنوات متتاليات.

3. في عام 1920 أصدر المندوب السامي البريطاني الصهيوني هربرت صموئيل قانون الأراضي الذي يعتبر أول لبنة في حجر الأساس "للكيان الصهيوني" الذي تعهدت بريطانيا بمساندة ساندت الصهاينة بكل السبل في سبيل تحقيق ذلك الهدف.

4. عام 1920 عملت حكومة صموئيل بهمة ونشاط لتنفيذ خطط اللجنة الصهيونية. فكانت باكورة أعمالها افتتاح دوائر تسجيل الأراضي، وإسناد مهمة الإشراف عليها للصهيوني (نورمان بنتويتش)، وفي العام نفسه استن قانون المساحة الخطر الذي عمل بنتويتش على تنفيذه الفوري، سعيا وراء مصادرة الأراضي.

5. إغلاق البنك العثماني (وهو الوحيد الذي كان يسلف الفلاحين بفوائد بسيطة).

6. فرض ضرائب باهظة على الأهالي حتى إن الفلاحين الذين كانت معدلات دخولهم أدنى من أي شريحة سكانية أخرى كانوا يدفعون أعلى معدل ضريبي.

7. غيّرت السلطات القوانين وقلبتها رأسًا على عقب؛ لإضفاء مسوح شرعية على عمليات اغتصاب الأراضي باسم القانون، واستنت لذلك إلى العديد من القوانين الظالمة.

8. حاصرت الأهالي في أرزاقهم حين استوردت مثيل إنتاجهم قبل نزول المحاصيل، وهو ما دفع الفلاحين إلى الهاوية بعد إفلاسهم الدائم، وتراكمت الديون عليهم، حيث بلغت نسبة من عجز منهم عن دفع الضرائب نحو 75%.

9. فضلا عما مارسته قوات الاحتلال ضدهم من عمليات قمع وسجن وحجز واضطهاد.

10. كما ساهم المرابون اليهود (وهم الجهة الوحيدة التي بقيت للاقتراض) في إفلاس الفلاحين؛ حيث بلغت نسبة الفوائد على الديون نحو 200%، وفقد الفلاحون أراضيهم المرهونة تسديدا لديونهم حيث كانت تباع بالمزاد العلني (وهذه الأراضي تحديدا هي التي استغلتها الصهيونية للترويج بأن الفلسطينيين باعوها، فضلا عن أن الأراضي التي باعها كبار الملاك العرب وهي بالغة الضآلة، وسيأتي على ذكرها بعد قليل).

11. كما لم يجدوا بعدها مكانًا للعمل؛ فالسياسية العنصرية للعمل العبري ومقاطعة العمل والاقتصاد الفلسطيني وقفت لهم بالمرصاد.

وارتكبت دائرة الأراضي التي اتحدت مع دائرة الزراعة ومحطة التجارب الزراعية والبعثة الصهيونية عام 1920م فظائع شتى لمصادرة أراضي الفلسطينيين تحت المسميات العجيبة لقوانين الأراضي المختلفة.

* حتى بلغ مجموع المساحة المنهوبة والتي رفع الفلسطينيون قضايا لاستردادها حتى عام 1935 (1.858.288) دونم، تمكن البعض من استرداد حقوقهم في بعض المساحات من هذه الأراضي.

* و قد تم تشريد 86 ألف أسرة بعد أن دمرت منازلهم أو أحرقت.

* فضلا عن الآلاف الذين عجنت أجسادهم وتمزقت إربًا، تحت عجلات المصفحات البريطانية، وسنابك خيولها، وهم يتشبثون بأراضيهم، رافضين إخلائها (انظر وصف أميلي نيوتن لهذه الفظائع في كتابها 50 عامًا في فلسطين)، أو لا بد أنك تأملت ما حدث في جنين ونابلس هذه الأيام لتعرف كيف كان ولا يزال الفلسطينيون يستبسلون دفاعا عن أراضيهم وتشبثا بها.

* كما وهبت وأجرت السلطات البريطانية لليهود أراضي العرب التي تم انتهابها، كما منحتهم امتيازات متعددة صادروا من خلالها ثروات فلسطين المائية والمعدنية.

وهكذا تمكن اليهود من اغتصاب مساحة قدرها (1.807.000) دونم - طبقًا للوكالة اليهودية - أي 6ر6% لإجمالي مساحة فلسطين. أو 19.6% من مجموع مساحة أراضيها الزراعية (تقدير عام 1945) حتى عام 1948.

جدير بالذكر أن نسبة قدرها 90.4% من مجموع ما حاز اليهود من أراض تعتبر بريطانيا مسئولة مسئولية مباشرة أو غير مباشرة عن تحويله أو تمكينهم منه (من دراسة وثائقية للباحثة) الأمر الذي يكشف فداحة الجرم البريطاني الذي ارتكبته بحق شعب فلسطين ووطنهم.

وقد تمكن اليهود من تسجيل 6ر3% فقط من أراضي فلسطين كممتلكات يهودية من مجموع ما حازوه وهو 6ر6%. وبقيت نسبة 96.4% حقًا مطلقًا لعرب فلسطين لن يسقط بالتقادم.

دور كبار الملاك العرب والفلسطينيين في انتقال الأراضي لليهود (والمبالغ فيه):

بقي أن نعرف الدور الذي أسهم فيه كبار ملاك عرب وفلسطينيين فيما آل لليهود من أراض. ولا بد هنا من خلفية سريعة.

إثر تغير نمط الإنتاج من الزراعي إلى الصناعي مع تحول النظام الإقطاعي إلى رأسمالي مع بداية المد الإمبريالي في بداية القرن التاسع عشر والتحول السلعي النقدي، برز دور الأرض كسلعة رائجة لما كانت تمثله من مردود مادي مع ازدهار التجارة الزراعية.

حصل الأثرياء والتجار اللبنانيون والسوريون على الأراضي في فلسطين كسلعة رائجة لزيادة أرباحهم في أواخر القرن التاسع عشر، ولما كان حق الرقبة للدولة وحق الحيازة لأصحاب الأراضي فما حدث هو امتلاكهم لحق الحيازة فقط دون حق الرقبة، أي حق الانتفاع بالأرض بيعًا ورهنا وتوريثًا بما يقترب من الملكية، ولكن بشرط واحد هو عدم جواز تغيير طبيعة الأرض الزراعية وذلك في مقابل سداد الديون على هذه القرى والناجم عن الضرائب المتراكمة مع ضرورة إبقاء المنتفعين على أراضيهم.

هذه الأراضي ما كان لهم أن يحصلوا عليها لو لم يتواطأ الولاة المرتشون في بيعها لهم، وحين وجد هؤلاء التجار من يدفع أكثر باعوها لليهود الذين لم يقتنعوا بحقوق الحيازة بل صمموا على استلامها مطهرة عرقيًا من أصحابها الفلسطينيين ساعدتهم في الحصول على ذلك القوات البريطانية بقضها وقضيضها ومصفحاتها على نحو ما أسلفنا لتسليمها خالية لهم، وبلغت هذه المساحة (625.000) دونم تعادل نسبة قدرها 2.5% من مجموع أراضي فلسطين وفي أخصب أراضيها حتى عام 1948.

أما كبار الملاك الفلسطينيين وهم نادرون كندرة الملكيات الكبيرة، فقد باع بعضهم جزءًا من أراضيه بهدف تحديث الباقي. والبعض الآخر باع لضعف النفوس وهوانها، وبلغ مجموع ما باعه هؤلاء الخونة (261.400) دونم بنسبة قدرها 97.%، أي أقل من 1% من مساحة أراضي فلسطين. هذه هي النسبة التي روجت الصهيونية لها عبر آلة إعلامها الجهنمية بأن الفلسطينيين باعوا أراضيهم والتي سرت سريان النار بالهشيم (للعلم هذه الأرقام من مصادر بريطانية وصهيونية. ويستطيع أي راغب التأكد من ذلك.

وتظل الحقيقة الراسخة وهي عجز بريطانيا والصهيونية، برغم كل المحاولات التي كانت طوال ثلث قرن عن انتزاع أكثر من 6.6% من مساحة فلسطين، وهو ما يعكس مدى صلابة وصمود الشعب الفلسطيني البطل الذي قاد معارك وهبات وثورات امتدت على مدى الفترة كلها من 1886 وحتى 1948 بلغت ما يزيد عن خمس عشرة هبة وثورة، قدم خلالها الفلسطينيون عشرات الآلاف من الشهداء، وسفكت الدماء البريئة، ونسفت الأحياء والقرى والمدن، وارتكبت عشرات المجازر، وزج بالآلاف في السجون، وأعدم رموز النضال، وفرضت الغرامات المشتركة الباهظة، وطبقت العقوبات الجماعية، وغير ذلك الكثير.

ونؤكد هنا أن نسبة الـ 6.% من مساحة أراضي فلسطين، ونسبة الـ 30% من اليهود لإجمالي عدد السكان حتى بداية عام،1948 ما كان لها أن تسمح تحت أي ظرف بإنشاء دولة يهودية على مثل هذه المساحة.

المرحلة الثالثة: فترة حرب 1948 واتفاقات الهدنة

ولكن ما حدث بالفعل من قيام دولة يهودية على أرض فلسطين كان خارج كل الأطر المنطقية والقانونية؛ فهي الدولة الوحيدة التي تم إنشاؤها بقرار مشروط.

حيث أدت الملابسات المتعددة إلى إحالة القضية للأمم المتحدة، وتدخل الولايات المتحدة ورئيسها ترومان شخصيا، من ممارسة ابتزاز رخيص على الدول الفقيرة والضعيفة لإجبارها على الموافقة على قرار التقسيم حين فشل في الحصول على التصويت لصالحه، في المرة الأولى في الجمعية العمومية –وهى سابقة لا مثيل لها، في الجمعية العامة -. الأمر الذي أدى إلى الموافقة علي القرار في 29-10-1947القاضي بتقسيم فلسطين إلي دولتين عربية ويهودية وبقاء القدس دولية.

أعطى قرار التقسيم الظالم الدولة اليهودية 47ر56% من مساحة أراضى فلسطين، والدولة العربية 88ر42%، والقدس الدولية، 56 ر.% من مجموع المساحة.

ثار شعب فلسطين ثورة عارمة احتجاجًا على هذا القرار الفاجع، وقد شهدت الشهور الأولى بطولات خارقة أدت إلى قلب موازين القوى ودفعت الولايات المتحدة للتراجع عن هذا القرار خوفًا على مصالحها بتاريخ 19 مارس 1948، وأيضا تراجعت الجمعية العامة لقناعتها بصعوبة تنفيذه وأن ذلك يحتاج لقوات كبيرة لتنفيذه غير متوفرة واقترحت مشروع وصاية على فلسطين. وبينما المشاورات جارية بين كل من بريطانيا والولايات المتحدة والأمم المتحدة قرر الصهيونيون تنفيذ القرار من جانبهم بالقوة، وراحت الهاجاناة تنفذ خطة هجومية شاملة ليس فقط للسيطرة على ما حدده قرار التقسيم للدولة اليهودية وهو47 ر56 % من مساحة أراضي فلسطين بل على توسيع هذه الحدود أيضًا، متبعة الخطة (د) أو حدوة الحصان التي بدأ تنفيذها في أول إبريل. وتعتمد هذه الخطة على توصيل وربط المناطق اليهودية ببعضها عن طريق تدمير القرى العربية واحتلالها وطرد سكانها من خلال محاصرة هذه القرى من ثلاثة جوانب، وإطلاق النيران الكثيفة ليلا والناس نيام ودون سابق إنذار؛ الأمر الذي كان يلقي الرعب والهلع في قلوب الأهالي الذين كانوا يتركون كل عزيز ونفيس بعد أن تحصد النيران أعدادًا غفيرة منهم لينطلقوا تائهين مشردين بين جريح ومريض وعاجز وحين كانوا يحاولون العودة بعد هدوء القصف كانت القوات الصهيونية تنتظرهم بالمرصاد ليحصدوهم تحت نيران بنادقهم وأسلحتهم التي كانت تحصد كل من تسول له نفسه بالعودة إلى أرضه، كما كان قانون (مصادرة الأرض ساعة الطوارئ) الذي استنته العصابات الصهيونية أثناء حرب 1948 يمنعهم من العودة.

يجدر التنويه هنا إلى أن هذه العصابات كانت في الواقع تشكل جيشا مدربا على مستوى عال تدرب أفراده أثناء الحرب العالمية الثانية إلى جانب الحلفاء فضلا عن كونه جيد التسليح والتنظيم.

وقد ارتكبت هذه العصابات مئات المجازر سجل منها المؤرخون الإسرائيليون الجدد 35 مذبحة تمت كلها تحت سمع وبصر ومؤازرة السلطات البريطانية، وتمكنوا بسبها من السيطرة على أكثر من عشرة أضعاف ما كان بحوزتهم من أراض حتى بلغ مجموع ما استولوا عليه نحو 77.5% من مساحة فلسطين، كما تمكنوا من تطهير هذه المناطق عرقيًا وتهجير نحو (900.000) مواطن فلسطيني من ديارهم قسرا، نصف مليون من هذا العدد تم أثناء فترة الانتداب البريطاني وبمساعدته، كما ساهم الانسحاب المبكر للقوات البريطانية من المدن والقرى والمواقع الهامة، طبقًا لترتيبات سرية، فضلا عن المتناقضات المتشابكة على المساحة العربية الزاخرة بالضعف وبقايا الاستعمار وغير ذلك الكثير. وعلى هذا النحو برزت دولة البغي والعدوان في 15 مايو 1948 على أشلاء فلسطين وشعبها.

--------------------------------------------------------------------------------

** باحثة متفرغة، عضو اتحاد الكتاب والصحفيين الفلسطينيين واتحاد المرأة الفلسطينية بالقاهرة.

مواليد: القدس 1947 لأب فلسطيني وأم سورية (خديجة صالح الرفاعي)، وزوج مصري - د.عبد الخالق لاشين - أستاذ التاريخ الحديث والمعاصر جامعة عين شمس.
ليسانس آداب، قسم التاريخ، جامعة دمشق، سوريا.
ماجستير ودكتوراه جامعة عين شمس القاهرة.

الفلامنجو
05-27-2008, 08:01 PM
يُعد هذا الموضوع من الموضوعات المهمة التي يجب على الفلسطينيين وخصوصاً المتعلمين والمثقفين منهم أن يفهموه جيداً،،، بحث- د. خالد الخالدي - رئيس قسم التاريخ والآثار - الجامعة الإسلامية - غزة....















بيع الفلسطينيين أرضهم لليهود حقيقة أم خيال؟!


يُعد هذا الموضوع من الموضوعات المهمة التي يجب على الفلسطينيين وخصوصاً المتعلمين والمثقفين منهم أن يفهموه جيداً، وأن يحفظوا حقائقه وأرقامه، وذلك للأسباب الآتية:

1- أَنَّ كثيراً من أبناء الشعوب العربية قد صدَّقوا الإشاعات التي نشرها اليهود، وروج لها أعوانهم، وأَهمها: "أن الشعب الفلسطيني باع أَرضه لليهود، فلماذا يطالبنا بتحرير أرض قبض ثمنها"؟!. وقد تعرضت أنا شخصياً لهذا السؤال مرات عدة، وفي بلدان عربية مختلفة، ووجدته أكثر انتشاراً في البلدان التي يرجى منها أن تفعل شيئاً من أجل تحرير فلسطين.

2- أنَّ مصدر هذه الإشاعة كتاب كتبوا في أَكثر الصحف العربية انتشاراً، ونشروا أكاذيب كثيرة، شوهوا فيها صورة الفلسطيني بهدف أن يُفقِدوا شعوبهم الحماس لفلسطين، وبلغ بهم الكذب حداً امتهنوا فيه جيوشهم، فقالوا :" إن الفلسطينيين يبيعون الضابط العربي لليهود بخمسة جنيهات، والجندي بجنيه واحد".

3- أنَّ العديد من الصحف العربية الرسمية ما زالت إلى اليوم منبراً لكتاب وضعوا أنفسهم في صف أعداء الأمة، وهم لا يملون من مهاجمة الفلسطينيين وتشويههم. وقد قرأت مقالاً لكاتب معروف في صحيفة عربية مشهورة يُهاجم فيه الفلسطينيين الذين تعاطفوا مع العراق أثناء تعرضه للهجوم الأمريكي، يقول فيه بالحرف الواحد: "هذا الشعب الوضيع الذي باع أرضه لليهود".

4- أنَّ هذه التهمة تتردد حتى في أوساط المثقفين، وكنَّا نسمع ذلك أثناء مناقشات مع مثقفين عرب يعملون في السعودية ودول الخليج، ومن ذلك قول أحدهم: " نعمل لكم إيه كل ما نحررها تبيعوها … كل ما نحررها تبيعوها".

5- أنَّ مروجي هذه الإشاعة ينشطون عندما تشتد مقاومة الشعب الفلسطيني لليهود، بهدف قتل أي تعاطف شعبي عربي مع الفلسطينيين.

6- أنَّ الشعب الفلسطيني الذي يحمل لواء الجهاد والمقاومة منذ أكثر من ثمانين عاماً، وقدم مئات الألوف من الشهداء، وما زال يقدم، ويقف وحده في الميدان، صامداً صابراً مجاهداً بالرغم من اجتماع الأعداء عليه، وتخلي ذوي القربى عنه، بل تآمرهم عليه، هذا الشعب يستحق أن ينصف ويدافع عنه، وقد شهد له كل منصف عرفه أو سمع عنه ونذكر فقط من هذه الشهادات قول هتلر في رسالة إلى ألمان السوديت: "اتخذوا يا ألمان السوديت من عرب فلسطين قدوة لكم، إنهم يكافحون إنجلترا أكبر إمبراطورية في العالم، واليهودية العالمية معاً، ببسالة خارقة، وليس لهم في الدنيا نصير أو مساعد، أما أنتم فإنَّ ألمانيا كلها من ورائكم".

7- أنه لا يليق بمتعلم أو مثقف فلسطيني، أن يتهم شعبه، ويقف عاجزاً غير قادر على تقديم المعلومات والحقائق التي تدحض هذا الاتهام.

وسوف أتناول هذا الموضوع بحياد ونزاهة وعلمية، مدافعاً عن الفلسطينيين بما يستحقون، ومحملاً إياهم ما وقعوا فيه من أخطاء. وقد استقيت معلوماتي من كتب ووثائق موثوقة.

بلغت مساحة الأراضي التي وقعت تحت أيدي اليهود حتى عام 1948م من غير قتال أو حرب، حوالي (2) مليون دونم. أي ما يعادل 8.8% من مساحة فلسطين التي تبلغ 27 مليون دونم.
حصل اليهود على تلك الأرض (2 مليون دونم) بأربع طرق هي:

الطريق الأول:650.000 دونماً (ستمائة وخمسين ألف دونم) حصلوا على جزء منها كأي أقلية تعيش في فلسطين منذ مئات السنين، وتملك أرضاً تعيش عليها، وحصلوا على الجزء الآخر بمساعدة الولاة الأتراك الماسونيين، الذين عيَّنتهم على فلسطين حكومة الاتحاد والترقي، التي كان أكثر من 90% من أعضائها من اليهود. وقد تآمرت جمعية الاتحاد والترقي على السلطان عبد الحميد وأسقطته، لأنه رفض كلَّ عروض اليهود عليه مقابل تمكينهم من أرض فلسطين. ومن هذه العروض إعطاؤه مبلغ خمسة ملايين ليرة إنجليزية ذهباً لجيبه الخاص، وتسديد جميع ديون الدولة العثمانية البالغة 33 مليون ليرة ذهباً، وبناء أسطول لحماية الإمبراطورية بتكاليف قدرها مائة وعشرون مليون فرنك ذهبي، وتقديم قروض بخمسة وثلاثين مليون ليرة ذهبية دون فوائد لإنعاش مالية الدولة العثمانية، وبناء جامعة عثمانية في القدس.

الطريق الثاني:665.000 دونماً (ستمائة وخمسة وستين ألف دونم) حصل عليها اليهود، بمساعدة حكومةِ الانتداب البريطاني المباشرة، وقد قُدمت إلى اليهود على النحو الآتي:-

1- أعطي المندوب السامي البريطاني منحة للوكالة اليهودية ثلاثمائة ألف دونم.

2- باع المندوب السامي البريطاني الوكالة اليهودية وبأسعار رمزية مائتي ألف دونم.

3- أهدت حكومة الانتداب للوكالة اليهودية أرض السلطان عبد الحميد في منطقتي الحولة وبيسان - امتياز الحولة وبيسان - ومساحتها 165.000 دونماً (مائة وخمسة وستون ألف دونم).

الطريق الثالث:606.000 دونماً (ستمائة وستة آلاف دونم)، اشتراها اليهود من إقطاعيين لبنانيين وسوريين، وكان هؤلاء الإقطاعيون يملكون هذه الأراضي الفلسطينية عندما كانت سوريا ولبنان والأردن وفلسطين بلداً واحداً تحت الحكم العثماني يُسمى بلاد الشام أو سوريا الكبرى، وعندما هزمت تركيا واحتل الحلفاء بلاد الشام، قسمت هذه البلاد إلى أربعة دول أو مستعمرات، حيث خضعت سوريا ولبنان للاحتلال الفرنسي، وشرق الأردن للاحتلال البريطاني، وفلسطين للانتداب البريطاني توطئة لجعلها وطناً قومياً لليهود. وهكذا أصبح كثير من الملاك السوريين واللبنانيين يعيشون في بلد وأملاكهم في بلد آخر، فانتهز كثير منهم الفرصة وباعوا أرضهم في فلسطين لليهود الذين دفعوا لهم فيها أسعاراً خيالية، وبنوا بثمنها العمارات الشاهقة في بيروت ودمشق وغيرها. وكانت كمية الأراضي التي بيعت، والعائلات التي باعت كما يلي:

1- باعت عائلة سرسق البيروتية - ميشيل سرسق وإخوانه مساحة 400.000 دونماً (أربعمائة ألف دونم) ، في سهل مرج ابن عامر، وهي من أخصب الأراضي الفلسطينية، وكانت تسكنها 2546 أسرة فلسطينية، طُردت من قراها لتحل محلها أسر يهودية أحضرت من أوروبا وغيرها.

2- باعت عائلة سلام البيروتية 165.000 دونماً (مائة وخمسة وستين ألف دونم) لليهود وكانت الحكومة العثمانية قد أعطتهم امتياز استصلاح هذه الأراضي حول بحيرة الحولة لاستصلاحها ثم تمليكها للفلاحين الفلسطينيين بأثمان رمزية، إلا أنهم باعوها لليهود.

3- باعت عائلتا بيهم وسرسق (محمد بيهم وميشيل سرسق) امتياز آخر في أراضي منطقة الحولة، وكان قد أُعطي لهم لاستصلاحه وتمليكه للفلاحين الفلسطينيين، ولكنهم باعوه لليهود.

4- باع أنطون تيان وأخوه ميشيل تيان لليهود أرضاً لهم في وادي الحوارث مساحتها خمسة آلاف وثلاثمائة وخمسين دونماً، واستولى اليهود على جميع أراضي وادي الحوارث البالغة مساحتها 32.000 دونماً (اثنان وثلاثون ألف دونم) ، وطردوا أهله منه بمساعدة الإنجليز، بدعوى أنهم لم يستطيعوا تقديم وثائق تُثبت ملكيتهم للأراضي التي كانوا يزرعونها منذ مئات السنين.

5- باع آل قباني البيروتيون لليهود مساحة 4000 دونماً (أربعة آلاف دونم) بوادي القباني، واستولى اليهود على أراضي الوادي كله.

6- باع آل صباغ وآل تويني البيروتيون لليهود قرى (الهريج والدار البيضاء والانشراح -نهاريا-).

7- باعت عائلات القوتلي والجزائري وآل مرديني السورية لليهود قسماً كبيراً من أراضي صفد.

8- باع آل يوسف السوريون لليهود قطعة أرض كبيرة لشركة

(The Palestinian Land Development Company).
9- باع كل من خير الدين الأحدب، وصفي قدورة، وجوزيف خديج، وميشال سرجي، ومراد دانا وإلياس الحاج اللبنانيون لليهود مساحة كبيرة من الأراضي الفلسطينية المجاورة للبنان.

الطريق الرابع:بالرغم من جميع الظروف التي وضع فيها الشعب الفلسطيني والقوانين المجحفة التي سنها المندوب السامي الذي كان يهودياً في الغالب، إلا أنَّ مجموع الأراضي التي بيعت من قبل فلسطينيين خلال ثلاثين عاماً بلغت ثلاثمائة ألف دونم، وقد اعتبر كل من باع أرضه لليهود خائناً، وتمت تصفية الكثيرين منهم على أيدي الفلسطينيين.



ومن العوامل التي أدت إلى ضعف بعض الفلسطينيين وسقوطهم في هذه الخطيئة.

1- لم يكن الفلسطينيون في السنوات الأولى للاحتلال البريطاني على معرفة بنوايا اليهود، وكانوا يتعاملون معهم كأقلية انطلاقاً من حرص الإسلام على معاملة الأقليات غير المسلمة معاملة طيبة.
2- القوانين الإنجليزية التي سنتها حكومةُ الانتداب، والتي وُضعت بهدف تهيئة كل الظروف الممكنة لتصل الأراضي إلى أيدي اليهود. ومن هذه القوانين، قانون صك الانتداب الذي تضمنت المادة الثانية منه النص الآتي:" تكون الدولة المنتدبة مسئولة عن جعل فلسطين في أحوال سياسية وإدارية واقتصادية تكفل إنشاء الوطن القومي لليهود".
وجاء في إحدى مواد الدستور الذي تحكم بمقتضاه فلسطين النص الآتي: " يشترط أن لا يطبق التشريع العام ومبادئ العدل والإنصاف في فلسطين إلاَّ بقدر ما تسمح به الظروف، وأن تراعى عند تطبيقها التعديلات التي تستدعيها الأحوال العامة". إضافة إلى مادة أخرى تقول: " بما أنَّ الشرع الإسلامي خوَّل للسلطان صلاحية تحويل الأراضي الميري (الحكومية) إلى أراضي الملك فإنه من المناسب تخويل المندوب السامي هذه الصلاحية".

3- الإغراءات الشديدة التي قدمها اليهود للذين يبيعون الأرض، فقد بلغ ما يدفعه اليهودي ثمناً للدونم الواحد عشرة أضعاف ما يدفعه العربي ثمناً له. وقد تسبب ذلك في سقوط بعض أصحاب النفوس المريضة، ومثل هذه النوعية لا تخلو منها أمة من الأمم.

4- الفساد الذي نشره اليهود، وحمته القوانين البريطانية التي تبيح الخمر و الزنا.

ويُسجَّل للشعب الفلسطيني أنه أَجمع على تجريم القلائل الذين ارتكبوا هذه الخطيئة، ونبذهم واحتقرهم وخوَّنهم ونفذ حكم الإعدام في كثير منهم.

وقد نشرت الصحف أخباراً عن تصفيات تمت في فلسطين لأشخاص باعوا أرضهم لليهود أو سمسروا لبيع أراض لليهود نذكر منها فقط ما نشرته جريده الأهرام في العدد 28 و29 تموز (يوليو) 1937م "اغتيل بالرصاص (فلان) بينما كان في طريقه إلى منزله ليلاً، وهو مشهور بالسمسرة على الأراضي لليهود، وترأس بعض المحافل الماسونية العاملة لمصلحة الصهيونية، وقيل إنَّ سبب اغتياله هو تسببه في نقل ملكية مساحات واسعة من أخصب أراضي فلسطين لليهود، وقد أغلق المسلمون جامع حسن بيك في المنشية لمنع الصلاة عليه فيه، ولم يحضر لتشييعه سوى بعض أقاربه، وليس كلهم، وبعض الماسونيين، وقد توقع أهله أن يمنع الناس دفنه في مقابر المسلمين، فنقلوا جثته إلى قرية قلقيلية بلدته الأصلية، وحصلت ممانعة لدفنه في مقابر المسلمين. وقيل إنه دُفن في مستعمرة يهودية اسمها "بنيامينا" لأنه متزوج من يهودية، وأن قبره قد نبش في الليل وأُلقيت جثته على بعد 20 متراً.

يتبين مما سبق أن الـ 8.8 في المائة من مساحة فلسطين أو الـ 2 مليون دونم التي وقعت في أيدي اليهود حتى سنة 1948م، لم يحصل عليها اليهود عن طريق شرائها من فلسطينيين كما يتصور حتى الكثير من مثقفينا، بل وصل معظمها إلى اليهود عن طريق الولاة الأتراك الماسونيين والمنح والهدايا من الحكومة البريطانية، والشراء من عائلات سورية ولبنانية، وأنَّ 300.000 دونماً فقط اشتريت من فلسطينيين خلال ثلاثين عاماً من السياسات الاقتصادية الظالمة والضغوط والمحاولات والإغراءات، أي أنَّ 1/8 (ثُمن) الأراضي التي حازها اليهود حتى سنة 1948م، كان مصدرها فلسطينيون، وقد رأينا كيف باعت عائلة لبنانية واحدة 400.000 دونماً في لحظة واحدة، وهو أكبر مما باعه فلسطينيون خلال ثلاثين عاماً. وأنَّ هؤلاء قلة شاذة عوقبوا بالنبذ والقتل.
ولا يخلو مجتمع حتى في عهد النبي، صلى الله عليه وسلم، من ضعاف ومنافقين، وليس من الإنصاف، أن يتحمل الشعب الفلسطيني كله جريمةً ارتكبها بعض شواذه. لا سيما أن هذا الشعب حاسب هؤلاء الشواذ وعاقبهم. وإنَّ ما يقدمه الشعب الفلسطيني اليوم من تضحيات و بطولات بعد مضي أكثر من نصف قرن على احتلال أرضه، وإصراره على المقاومة والجهاد والاستشهاد بالرغم من ضخامة المؤامرة ضده لخير دليل على تمسكه وعدم تفريطه بأرضه المقدسة المباركة .

---------------------------