الفلامنجو
09-27-2007, 02:46 AM
كانت عقارب الساعة تشير إلى الثانية عشرة ليلاً حين غادرنا دمشق متجهين إلى منطقة الهول، في أقصى الشمال الشرقي لسورية. ففي تلك المنطقة التي تبعد 15 كيلومتراً عن الحدود السورية ـ العراقية؛ يوجد معسكر يقيم فيه أكثر من ثلاثمائة فلسطيني من لاجئي العراق، في ظروف شديدة التعقيد والبؤس. إنهم لاجئون نزحوا بفعل عمليات القتل والإرهاب المنفلتة من عقالها في العراق، في ظل الاحتلال الأمريكي، وأُُرغموا على الفرار باتجاه الحدود الأردنية ـ العراقية في بداية العام الجاري.
وبعد أن أصرَّت الحكومة الأردنية على موقفها الرافض بالسماح لأولئك اللاجئين بالدخول إلى أراضيها والإقامة فيها إلى حين استقرار الأوضاع في العراق؛ أعلنت الحكومة السورية في العشرين من شهر نيسان (أبريل) الماضي، عقب لقاء الدكتور محمود الزهار وزير الشؤون الخارجية الفلسطيني مع الرئيس السوري بشار الأسد؛ عن موافقتها على استقبالهم في أراضيها.
وفي أوائل شهر أيار (مايو) دخل أولئك اللاجئون الأراضي السورية في تسع حافلات تحت إشراف الوكالة الدولية لغوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين "الأونروا"، والمفوضية العليا لشؤون اللاجئين التابعة للأمم المتحدة. واتجهت تلك الحافلات إلى معسكر كان قد تم بناؤه خلال حرب الخليج الثانية عام 1991 في منطقة الهول بمحافظة الحسكة، لاستقبال اللاجئين العراقيين الفارين من الحرب آنذاك، فيما يتسع هذا المعسكر لحوالي 20 ألف شخص.
مكتب الشتات
حينما اتصلتُ (مراسل المركز الفلسطيني للإعلام) بمكتب الشتات، التابع لحركة المقاومة الإسلامية "حماس"، للتزود بمعلومات عن اللاجئين الفلسطينيين في معسكر الهول قبل الذهاب إلى المعسكر لإعداد تقرير عن أوضاع المقيمين فيه وأحوالهم المعيشية؛ أخبرني "أبو الحسن" المسؤول عن متابعة ملف شؤون هؤلاء اللاجئين؛ بأنّ هناك سيارة ستنطلق ليلاً لنقل مؤن غذائية إلى اللاجئين في المعسكر المذكور بمناسبة شهر رمضان، مبدياً ترحيبه باصطحابي في هذه الرحلة التي استغرقت أكثر من عشر ساعات، تم خلالها عبور صحراء سورية من أقصى جنوبها الغربي إلى أقصى شمالها الشرقي.
أما سبب الاتصال بـ "حماس" دون غيرها من الأطراف الفلسطينية للتزود بالمعلومات عن اللاجئين المقيمين في "الهول"؛ هو كون هذه الحركة أكثر الأطراف الفلسطينية حرصاً على متابعة ملف اللاجئين الفلسطينيين في العراق، إضافة إلى أنّ "حماس" هي الطرف الفلسطيني الوحيد الذي يقوم بزيارات دورية لمعسكر "الهول" من أجل تقديم المعونات المادية والمعنوية.
وفي الطريق؛ أخذ "أبو الحسن"، وهو شاب في الثلاثينيات من عمره، يحدثني عن معاناة اللاجئين المقيمين في "الهول"، وقال لي "مؤكد أنك سمعت الكثير وقرأت الكثير عن النكبة التي حلّت بشعبنا عام 1948، غير أنك، لم تشاهد تلك المأساة لأنك لم تكن مولوداً بعد، ولكنّ زيارتك إلى معسكر الهول ستتيح لك أن تشاهد بأم عينك الظروف المشابهة للظروف التي عاشها شعبنا أيام النكبة".
"أبو الحسن" والذي يزور المعسكر مع بداية كل شهر لنقل المؤن الغذائية إلى اللاجئين في "الهول"، والاطِّلاع على أوضاعهم ونقل مطالبهم إلى الجهات المعنية؛ لم يُخفِ عتبه الشديد على وسائل الإعلام، وخاصة الفلسطينية منها، بسبب عدم قيامها بتغطية أوضاع اللاجئين في المعسكر، على نحو يتناسب وحجم معاناتهم ومأساتهم.
معسكر الهول
مع ساعات الصباح، عبرنا بوابة معسكر الهول، حيث كتل الخيام المتراصة بلونها الشاحب، وشوادرها المتهدلة وسط الغبار الصاعد من الأرض، وقد بدت وكأنها مذعورة خائفة تحت قبة السماء التي مزقت زرقتُها غيوم الخريف الرمادية.
أطلق سائق الحافلة "زموراً" متقطعاً، وكأنها إشارة بأنّ حافلة المؤن قد وصلت، فأخذ الأطفال والشبّان والشيوخ يتسللون إلى خارج الخيام متجهين إلى الحافلة وعلامات الفرح بادية على محياهم. اندفع "أبو الحسن" نحوهم مبتسماً ليصافح عشرات الأيادي التي مُدّت باتجاهه. وبعد ذلك بدأ "أبو الحسن" بتوزيع المواد الغذائية المخصصة لشهر رمضان، وكان نصيب كل عائلة لترين من الزيت النباتي، و2 كيلوغرام من سكر، ونصف كيلوغرام من الشاي، وكيلو من الحليب الجاف، وعلبة جبن كبيرة، وعلبة "مرتديلا" كبيرة، ولتر زيت زيتون، ونصف كيلو زيتون، وكيلو من كل من العدس والبرغل والحمص والفاصولياء والفريكة، إضافة للمحارم وفوط الأطفال والملح والمنظفات وغير ذلك.
وبعد أن أدى وفد "حماس" وحشد غفير من اللاجئين صلاة الظهر في المسجد الذي شيّدته الحركة في المعسكر مؤخراً؛ غادر الوفد عائداً إلى دمشق، بينما بقيت أنا والمصوّر في المعسكر لنعيش ساعات مع اللاجئين الفلسطينيين في هجير الصحراء وحرّها اللافح.
الأطفال وتداعيات العزل والحرمان
بالقرب من الخيام، كانت تقوم بعض الغرف، من بينها غرفة خصصت كـ "روضة للأطفال". كان باب هذه الغرفة مفتوحاً والمشرفة ترسم أشكالاً على السبورة، استأذنتها بالدخول، وما إن ولجت حتى بدأ الأطفال بالبكاء والعويل، فخرجتُ من الغرفة. لحقتْ بي المشرفة، وأخبرتني بأنّ الأطفال يخافون من الأشخاص الغرباء، وذلك كإحدى تداعيات الحياة القاسية والصعبة وظروف الحرمان والعزل التي يعيشونها في معسكر الهول، وقبل ذلك في معسكر "طريبيل" على الحدود العراقية ـ الأردنية.
ولفتت المشرفة؛ والتي هي واحدة من اللاجئين المقيمين في معسكر الهول، إلى أنّ سلوك الأطفال واستجاباتهم ليست سوية مقارنة مع الأطفال في الخارج، "فهم يخافون كثيراً، كما أنهم يميلون إلى الانطواء، واستجاباتهم بطيئة"، مضيفة أنّ "وسائل التربية والترفيه والرياضة معدومة في المخيم، كما أنّ المفوضية العليا للاجئين باتت تُغفل وجبات الحليب المخصصة للأطفال، أما وسائل التربية والترفيه والتعليم والرياضة؛ فهي معدومة، وقد طالبنا المفوضية العليا لشؤون اللاجئين بتأمينها، ولكن لا حياة لمن تنادي".
ورداً على سؤال حول ماهية المطلوب لكي يستعيد الأطفال صحتهم النفسية؛ قالت "لا يمكن بحال من الأحوال أن يستعيد هؤلاء الأطفال صحتهم النفسية ما داموا يعيشون في معسكر مغلق، يجب على الأطراف المعنية، وفي مقدمتهما المفوضية العليا لشؤون اللاجئين ووكالة "الأونروا"؛ السعي بشكل جاد وحثيث لإخراج المقيمين من هنا وتمكينهم من العيش في المدن".
مياه آسنة للشرب والغسيل
تطوَّع أحد الشبّان، ويدعى إيهاب التيم، وهو في أواخر العشرينيات من العمر، بمرافقتي خلال تجوالي داخل المعسكر ليطلعني على المرافق العامة.
دورات المياه في المعسكر هي عامة، منها دورات مخصصة للنساء وأخرى مخصصة للرجال، ولأنها لم يتم إنشاؤها وفق متطلبات الشروط الصحية، من جهة العمران وتصريف المياه؛ فإنها باتت مأوى للجرذان والحشرات، وتفوح منها رائحة لا يحتملها بشر، وبالقرب منها أقيمت "حمامات" للاستخدام الشخصي.
المياه في المخيم نوعان؛ مياه للشرب، وأخرى للغسيل والاستحمام. أما مياه الشرب، والتي توزعّها خزاناتٌ كبيرة الحجم على الصنابير الموضوعة بالقرب من الخيم؛ فهي مياه كلسية ولا تخضع بشكل دوري للفحص المخبري للتأكد من خلوها من الجراثيم والبكتيريا والميكروبات، وذلك على الرغم من شكوى اللاجئين في المخيم من التهابات في الجهاز الهضمي وآلام في الكلى. أما بالنسبة لمياه الغسيل؛ فإنّ لها رائحة كريهة وذات لون يميل قليلاً إلى الخضرة والإصفرار.
وأكثر ما يثير الفزع والرعب في المعسكر؛ هو الأفاعي والعقارب المنتشرة بكثافة في المكان، هذه الكائنات التي كثيراً ما تدخل الخيام لتمارس فطرتها في اللسع واللدغ، وفي الغالب يكون الضحية طفلاً صغيراً.
كلمات مفعمة باللوعة والألم
بعد أن سرنا قرابة الساعتين في المخيم؛ دعاني مرافقي إيهاب للدخول إلى خيمته للاستراحة قليلاً. في هذه الخيمة تقيم معه، إضافة لزوجته وطفليه؛ والدته "أم أيمن" وعمته "أم وليد".
العمّة "أم وليد"، وهي امرأة في الستين من عمرها، بدت أكثر الحاضرين رغبة في الحديث، سألتها عن أكثر من يثير قلقلها، فقالت "إني قلقة جداً على زوجي وابني المقيمين في بغداد، واللذين لم يتمكنا من مغادرة العراق، فاللاجئون الفلسطينيون في العراق هم مستهدفون من قبل الاحتلال الأمريكي والعصابات"، ثم أخذت تقصّ عليَّ بعض ما شاهدته قبل مغادرتها العراق من عمليات قتل وتنكيل التي يتعرض لها الفلسطينيون هناك.
وحينما غصّت الخيمة بالزوار الوافدين للجلوس معنا؛ أتاحت "أم وليد" للحاضرين المجال ليدلي كلٌ بدلوه، وكانت كلماتها المفعمة باللوعة والألم على مصير زوجها وابنها وأقاربها في بغداد، قد حدّدت مسار حديث الجلسة، والذي تمحور حول أساليب القتل والتنكيل والقمع التي تُمارس بحق الفلسطينيين على أيدي المحتلين الأمريكيين وعناصر العصابات المسلحة.
وكان تقرير أصدرته مؤخراً الجمعية الفلسطينية لحقوق الإنسان في العراق "راصد"؛ قد أظهر أنّ عدد الاعتداءات على اللاجئين الفلسطينيين في العراق منذ بداية الاحتلال الأمريكي (9 نيسان/أبريل 2003) قد بلغ 662 اعتداء بالأسلحة الخفيفة والمتوسطة، نجم عنها استشهاد 168 فلسطينياً ظلماً بينهم خمس نساء وسبعة أطفال. ويشير تقرير "راصد" إلى أنّ غالبية الجثث تظهر عليها آثار التعذيب والتنكيل وتقطيع الأجساد، لافتاً الانتباه إلى أنّ عدد المفقودين بلغ تسعة، بالإضافة إلى اعتقال أكثر من 68 فلسطينياً في سجون القوات الأمريكية وسجون الداخلية العراقية التي يمارس فيها أشد أنواع التعذيب الجسدي، دون السماح لذوي المعتقلين بالمراجعة أو توكيل محامين أو الاستفسار عن التهم الموجة لأبنائهم.
ويرجع تاريخ الوجود الفلسطيني في العراق، إلى عام 1948، عندما شكل الجيش العراقي في فلسطين إبان النكبة ما يعرف بـ "فوج الكرمل الفلسطيني"، من أبناء بعض القرى جنوبي مدينة حيفا والمثلث، وقام بنقل عائلاتهم في صيف 1948 إلى العراق.
وتعود أصول اللاجئين إلى مناطق مختلفة من فلسطين، أهمها أجزم، وعين غزال، وجبع، والصرفند، والمزار، وعارة، وعرعرة، والطنطورة، والطيرة، وكفر لام، وعتليت، وأم الزينات، وأم الفحم، وعين الحوض، ويقدر عدد الذين وصلوا العراق في 1948 بين ثلاثة آلاف وأربعة آلاف نسمة.
وقد تولت بعد ذلك وزارة الدفاع العراقية، رعاية وإدارة شؤون الفلسطينيين منذ قدومهم إلى عام 1950، حيث تم إسكانهم أول الأمر في معسكرات الجيش في الشعيبة في البصرة، وبعض النوادي في الموصل، وفي المحافظات العراقية (أبو غريب والحويجة)، وبعض المدارس والمباني الحكومية.
وقد استمر الحال هكذا حتى عام 1958، عندما جرى الاتفاق على تكفل الحكومة العراقية برعاية الفلسطينيين، مقابل إعفاء العراق من التزامات مالية مع الأمم المتحدة.
وبعد عام 1950، وانتقال المسؤولية لوزارة الشؤون الاجتماعية؛ فقد أعيد توزيع الفلسطينيين وفق نظام السكن الجماعي في الملاجئ، والمواقع المستملكة من قبل الحكومة العراقية، وقد تزايدت أعدادهم بتواتر قريب من معدل الزيادة السكانية في العراق، ففي 1969، بلغ عدد المسجلين في مديرية شؤون اللاجئين 13743 لاجئاً، بواقع 13208 نسمة في بغداد، و335 نسمة في الموصل، و200 نسمة في البصرة.
وبحسب تقرير للجنة العربية لحقوق الإنسان؛ فإنّ منظمة التحرير الفلسطينية، بعد عشر سنوات، قدرت العدد بما مجموعه 19184، وفي عام 1986 أعطت هيئة الإحصاء بوزارة التخطيط العراقية رقم 27 ألف لاجئ، ومعظم التقديرات تشير إلى أنهم تجاوزوا قرابة 35 ألف لاجئ فلسطيني لعام 2000.
ويتذكر كبار السن من هؤلاء؛ كيف أنّ أغلب الأسر النازحة، قد جاءت من شمال فلسطين، وتحديداً من حيفا، وتولت الحكومات العراقية المتعاقبة على مدار نصف قرن، أمرهم، وتعهدتهم بالسكن والتعليم والصحة، ووزعت عليهم معونات غذائية وطبية بشكل منتظم، الأمر الذي لم يشجعهم على التسجيل في سجلات وكالات الغوث الدولية، وهو ما يعتبره أغلبهم، اليوم، "خطأ جسيماً"، حرمهم من الكثير من الامتيازات التي وفرتها تلك المنظمات للفلسطينيين في دول أخرى، فضلاً عن عدم منحهم وثائق سفر "عراقية".
خيام
قبل أذان المغرب، بقليل، خرجنا من خيمة إيهاب، وشاهدنا أطفالاً يحملون قدور الطعام متجهين إلى إحدى الخيام القريبة من المسجد، وعندما استفسرنا عن مصدر ووجهة هذا الطعام، قالوا بأنّ الأهالي يقدِّمون طعام الإفطار للشبّان الذين ليس لديهم عائلات هنا في المعسكر. دخلت إلى تلك الخيمة، وكانت تتوسطها طاولة وعلى سطحها أخذت قدور الطعام تزاحم أوعية الماء وأباريق شراب "قمر الدين". تناولنا طعام الإفطار ونحن واقفون، فالخيمة خالية من أي كرسي، أو أي شيء يمكنه استخدامه كمقعد.
سألت أحد الشبّان عن مصادر المؤن التي يعتمد عليها الأهالي في المعسكر؛ فقال "إضافة للمساعدات المادية والعينية التي تقدمها لنا حركة حماس؛ تقدم لنا المفوضية العليا لشؤون اللاجئين مواد غذائية بشكل دوري، غير أنّ الكميات التي تقدمها المفوضية ليست كافية"، وتابع "هناك بعض المؤسسات والجمعيات الخيرية الفلسطينية قدمت لنا بعض المساعدات".
وبعد تناول طعام الإفطار في تلك الخيمة وأداء صلاة المغرب في المسجد؛ توجهنا إلى خيمة كبيرة، اصطلح على تسميتها في أوساط اللاجئين هناك بـ "الكافيتريا".
وهذه "الكافتيريا"، التي أنشأها أحد شبّان المعسكر؛ يوجد فيها نحو خمسة عشر كرسياً وثلاث طاولات بلاستيكية، وهي تقدم القهوة والشاي والزهورات والمياه الغازية مقابل ثمن زهيد.
احتسينا الشاي خارج "الكافيتريا"، لنستمتع بنسيم المساء الذي يمر بنا متجهاً إلى جبل سنجار في الأراضي العراقية والذي يُشاهد من داخل المعسكر، وحينها بدأ رجال وشبّان وأطفال المعسكر يتوافدون نحونا.
طفلة وعقرب داخل الخيمة
إيهاب مسَلَّمْ، شابٌ في الثلاثينيات من عمره، جلس قبالتي على حجر حاملاً في حضنه ابنته براء التي لم يتجاوز عمرها ثلاث سنوات، وقال رداً على سؤالٍ عن أحواله "نحن وُلدنا في مدن، ولم نعتد على حياة كهذه الحياة، نحن هنا في المعسكر نخضع لجملة من الضوابط والإجراءات التي تحيل المعسكر إلى سجن، ونحن الشبّان نستطيع أن نتحمل هذا الوضع، ولكن ماذا بشأن أطفالنا ونسائنا؟!". وأضاف الشاب مستطرداً، "ولكنّ الوضع هنا أفضل بكثير من الوضع في معسكر طريبيل، وأفضل بما لا يُقاس من الأوضاع في العراق بالنسبة لنا".
ثم نظر مسلّم إلى طفلته التي أغمضت عينها مستسلمة للنوم، وقال "انظر إليها، قبل يومين لدغها عقرب وهي نائمة داخل الخيمة، فقامت تصرخ من الألم، حملتها وأخذت أركض بها في المخيم، أبحث عمن يساعدني، فهنا في المعسكر لا يوجد طبيب مقيم، وإنما هناك طبيب متطوع يأتينا من القرية المجاورة صباح كل يوم ويمكث هنا مدة ساعة أو ساعتين يعاين خلالها بعض المرضى ثم يغادر".
وتابع الأب قائلاً "اتصلنا بسائق سيارة من القرية المجاورة، وقام بنقلنا إلى منزل طبيب القرية والذي قدَّم لها العلاج"، ثم نظر إلى ابنته ومسّد شعرها، وقبَّل جبينها. سألته عن صحتها الآن؛ فقال "الحمد لله زال عنها الخطر، ولكنها ما زالت تشعر بألم في يدها حيث لدغها العقرب"، وتابع قائلاً "يراودني قلق شديد على ابنتي الثانية التي تبلغ من العمر عدة أشهر، فأنا خائف عليها من أن يلدغها عقرب أو تلسعها أفعى ونحن نيام".
أوضاع مأساوية
وبجانب إيهاب مسلم كان يجلس على كرسي متحرك رجل في الخمسينيات من عمره، يدعى مصطفى رشيد "أبو محمد"، وهو خريج كلية الإدارة والاقتصاد بجامعة البصرة، وكان موظفاً في وزارة النفط العراقية لمدة 13 عاماً. ويعاني "أبو محمد" من ذبحة صدرية ومن مرض الضغط ومرض السكر، إضافة إلى أنه مصاب بشلل الأطفال، وهو متزوج وأب لأربعة أبناء وأربع بنات ثلاث منهن متزوجات ومقيميات في العراق، والرابعة مخطوبة لشاب يقيم في المعسكر، أما أبناؤه الشبّان، فثلاثة منهم معه في المعسكر والرابع آثر البقاء إلى جانب أخواته في بغداد.
سألت "أبا محمد" عن الصعوبات التي يواجهها في المخيم جرّاء حالته الصحية، فقال "هناك آخرون مثلي، لديهم أوضاع صحية صعبة، وآخرون من ذوي الاحتياجات الخاصة، فهناك شاب فاقد لساقه، وهناك رجل يعاني من أمراض في الكلى، وآخر يعاني من مشاكل خطيرة في القلب، وهناك الكثير من الحالات المرضية التي يتطلب وضعها علاجاً ومتابعة خاصة".
وأضاف الأب الفلسطيني المنكوب قوله "نحن نناشد المؤسسات الحقوقية والإنسانية والدولية لزيارة المعسكر والاطِّلاع على أوضاعنا الصعبة والقاسية، كما إننا نناشد السلطة الفلسطينية إصدار جواز سفر لنا يمكننا من التحرك"، وقال مشدداً "أنا أريد أن أحمل هويتي الفلسطينية ولا أريد هوية سواها".
أما الفتى مهند مصطفى توفيق (13 سنة)، والذي كان واقفاً بجانب والده، فقال "أتمنى أن نخرج ونعيش في المدن، أريد أن أكمل دراستي، وأن أعيش كباقي البشر في المنازل، لقد تعبنا من الحياة هنا".
وكان اللاجئون في المخيم قد تقدموا بطلب إلى المفوضية العليا لشؤون اللاجئين ووكالة "الأونروا" والهيئة العامة لشؤون اللاجئين الفلسطينيين في سورية، بالعمل ليُصار إلى نقلهم إلى داخل المدن، وقد تلقوا وعوداً بأن تُحلّ هذه القضية خلال أيام، غير أنّ هذه القضية مرّ عليها إلى الآن أكثر من خمسة أشهر ولم تُحلّ، وما زال اللاجئون يعيشون في المخيم، ولا يستطيعون الخروج منه إلاّ بتصريح خاص ويُمنح بالعادة لأسباب طبية، أي لمراجعة طبيب في القرى المجاورة أو مشفى في المدينة.
يُذكر أنه يقيم في معسكر الهول 306 لاجئين فلسطينيين، بينهم 124 طفلاً تتراوح أعمارهم بين سنة واثنتي عشرة سنة، وهناك 61 امرأة متزوجة و24 فتاة.
من خيمة إلى غرفة
وتقوم المفوضية العامة لشؤون اللاجئين، بالتعاون مع حركة حماس، ببناء غرف للاجئين الفلسطينيين في المعسكر ليُصار إلى نقل اللاجئين إليها، وذلك قبل أن يداهم المعسكر فصل الشتاء برياحه العاتية وبرده القارس.
ويوضح المهندس بسيم الحاج إبراهيم، من جمعية رعاية الطفل وأحد المتطوعين لإنشاء تلك الغرف، أنّ "كل وحدة سكنية تتألف من غرفة وحمام ومطبخ، وجدران الوحدة من الطوب، والسقف من التوتياء"، ويأمل المهندس إبراهيم بأن يتم إسكان اللاجئين في هذه الغرف قبل قدوم فصل الشتاء. وتجدر الإشارة هنا إلى أنّ حركة حماس قدمت الجزء الأكبر من الأموال اللازمة لبناء تلك الوحدات السكنية.
الشيخ محمود صيدم "أبو أحمد"، أحد المقيمين في المعسكر والذي كان في السابق إمام مسجد القدس في بغداد ومسؤول زكاة بغداد عن العرب والفلسطينيين؛ سألته عن رأيه في عملية بناء الغرف، فقال "نحن هنا في المعسكر ننظر بقلق إلى هذا العمار، فنحن لا نريد أن نبقى هنا إلى الأبد، نريد أن نعيش في مدن، نريد أن نعمل، وأن يكمل أبناؤنا دراستهم، نريد أن نعيش كباقي البشر، نحن لا نريد أن نحيا على المساعدات والإعانات، نريد أن نعمل ونأكل بعرق جبيننا".
واستدرك قائلاً "ولكن في المقابل نحن بتنا على أبواب فصل الشتاء، وهناك ضرورة لحماية أبنائنا من الحشرات والأفاعي والعقارب، إضافة لضرورة حمايتهم من برد الشتاء القارس، والخيام هنا لا يمكن أن تؤمن الحماية اللازمة لأبنائنا".
وقبل أن أنهي حديثي مع "أبو أحمد"؛ سألته: ما هو مطلبكم الرئيس أنتم هنا في معسكر الهول، فقال، "مطلبنا الرئيس هو العودة إلى فلسطين"، وأردف مشدداً "سنعود يوماً إلى قرانا ومدننا التي هُجِّرنا منها عام 1948 ظلماً وعدواناً، سنعود ولو طال الانتظار".
قوة الحياة والعودة إلى فلسطين
"العودة إلى فلسطين"، "يجب أن نعود إلى ديارنا"، "لا يمكن أن نحقق كرامتنا خارج بلادنا"، "لا بديل عن العودة إلى مدننا وقرانا"، تلك العبارات كثيراً ما كنت أسمعها أثناء حديثي مع اللاجئين في معسكر الهول.
استرجعت أثناء العودة إلى دمشق الصور التي شاهدتها والكلام الذي سمعته في معسكر أبو الهول، لأخلص إلى ما يكرِّس قناعتي بأنّ قوة الحياة التي يملكها اللاجئون الفلسطينيون، أينما ذهبوا وحيثما حلّوا، مستمدة أصلاً من إصرارهم وتصميمهم على تمسكهم بحق العودة إلى فلسطين.
وبعد أن أصرَّت الحكومة الأردنية على موقفها الرافض بالسماح لأولئك اللاجئين بالدخول إلى أراضيها والإقامة فيها إلى حين استقرار الأوضاع في العراق؛ أعلنت الحكومة السورية في العشرين من شهر نيسان (أبريل) الماضي، عقب لقاء الدكتور محمود الزهار وزير الشؤون الخارجية الفلسطيني مع الرئيس السوري بشار الأسد؛ عن موافقتها على استقبالهم في أراضيها.
وفي أوائل شهر أيار (مايو) دخل أولئك اللاجئون الأراضي السورية في تسع حافلات تحت إشراف الوكالة الدولية لغوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين "الأونروا"، والمفوضية العليا لشؤون اللاجئين التابعة للأمم المتحدة. واتجهت تلك الحافلات إلى معسكر كان قد تم بناؤه خلال حرب الخليج الثانية عام 1991 في منطقة الهول بمحافظة الحسكة، لاستقبال اللاجئين العراقيين الفارين من الحرب آنذاك، فيما يتسع هذا المعسكر لحوالي 20 ألف شخص.
مكتب الشتات
حينما اتصلتُ (مراسل المركز الفلسطيني للإعلام) بمكتب الشتات، التابع لحركة المقاومة الإسلامية "حماس"، للتزود بمعلومات عن اللاجئين الفلسطينيين في معسكر الهول قبل الذهاب إلى المعسكر لإعداد تقرير عن أوضاع المقيمين فيه وأحوالهم المعيشية؛ أخبرني "أبو الحسن" المسؤول عن متابعة ملف شؤون هؤلاء اللاجئين؛ بأنّ هناك سيارة ستنطلق ليلاً لنقل مؤن غذائية إلى اللاجئين في المعسكر المذكور بمناسبة شهر رمضان، مبدياً ترحيبه باصطحابي في هذه الرحلة التي استغرقت أكثر من عشر ساعات، تم خلالها عبور صحراء سورية من أقصى جنوبها الغربي إلى أقصى شمالها الشرقي.
أما سبب الاتصال بـ "حماس" دون غيرها من الأطراف الفلسطينية للتزود بالمعلومات عن اللاجئين المقيمين في "الهول"؛ هو كون هذه الحركة أكثر الأطراف الفلسطينية حرصاً على متابعة ملف اللاجئين الفلسطينيين في العراق، إضافة إلى أنّ "حماس" هي الطرف الفلسطيني الوحيد الذي يقوم بزيارات دورية لمعسكر "الهول" من أجل تقديم المعونات المادية والمعنوية.
وفي الطريق؛ أخذ "أبو الحسن"، وهو شاب في الثلاثينيات من عمره، يحدثني عن معاناة اللاجئين المقيمين في "الهول"، وقال لي "مؤكد أنك سمعت الكثير وقرأت الكثير عن النكبة التي حلّت بشعبنا عام 1948، غير أنك، لم تشاهد تلك المأساة لأنك لم تكن مولوداً بعد، ولكنّ زيارتك إلى معسكر الهول ستتيح لك أن تشاهد بأم عينك الظروف المشابهة للظروف التي عاشها شعبنا أيام النكبة".
"أبو الحسن" والذي يزور المعسكر مع بداية كل شهر لنقل المؤن الغذائية إلى اللاجئين في "الهول"، والاطِّلاع على أوضاعهم ونقل مطالبهم إلى الجهات المعنية؛ لم يُخفِ عتبه الشديد على وسائل الإعلام، وخاصة الفلسطينية منها، بسبب عدم قيامها بتغطية أوضاع اللاجئين في المعسكر، على نحو يتناسب وحجم معاناتهم ومأساتهم.
معسكر الهول
مع ساعات الصباح، عبرنا بوابة معسكر الهول، حيث كتل الخيام المتراصة بلونها الشاحب، وشوادرها المتهدلة وسط الغبار الصاعد من الأرض، وقد بدت وكأنها مذعورة خائفة تحت قبة السماء التي مزقت زرقتُها غيوم الخريف الرمادية.
أطلق سائق الحافلة "زموراً" متقطعاً، وكأنها إشارة بأنّ حافلة المؤن قد وصلت، فأخذ الأطفال والشبّان والشيوخ يتسللون إلى خارج الخيام متجهين إلى الحافلة وعلامات الفرح بادية على محياهم. اندفع "أبو الحسن" نحوهم مبتسماً ليصافح عشرات الأيادي التي مُدّت باتجاهه. وبعد ذلك بدأ "أبو الحسن" بتوزيع المواد الغذائية المخصصة لشهر رمضان، وكان نصيب كل عائلة لترين من الزيت النباتي، و2 كيلوغرام من سكر، ونصف كيلوغرام من الشاي، وكيلو من الحليب الجاف، وعلبة جبن كبيرة، وعلبة "مرتديلا" كبيرة، ولتر زيت زيتون، ونصف كيلو زيتون، وكيلو من كل من العدس والبرغل والحمص والفاصولياء والفريكة، إضافة للمحارم وفوط الأطفال والملح والمنظفات وغير ذلك.
وبعد أن أدى وفد "حماس" وحشد غفير من اللاجئين صلاة الظهر في المسجد الذي شيّدته الحركة في المعسكر مؤخراً؛ غادر الوفد عائداً إلى دمشق، بينما بقيت أنا والمصوّر في المعسكر لنعيش ساعات مع اللاجئين الفلسطينيين في هجير الصحراء وحرّها اللافح.
الأطفال وتداعيات العزل والحرمان
بالقرب من الخيام، كانت تقوم بعض الغرف، من بينها غرفة خصصت كـ "روضة للأطفال". كان باب هذه الغرفة مفتوحاً والمشرفة ترسم أشكالاً على السبورة، استأذنتها بالدخول، وما إن ولجت حتى بدأ الأطفال بالبكاء والعويل، فخرجتُ من الغرفة. لحقتْ بي المشرفة، وأخبرتني بأنّ الأطفال يخافون من الأشخاص الغرباء، وذلك كإحدى تداعيات الحياة القاسية والصعبة وظروف الحرمان والعزل التي يعيشونها في معسكر الهول، وقبل ذلك في معسكر "طريبيل" على الحدود العراقية ـ الأردنية.
ولفتت المشرفة؛ والتي هي واحدة من اللاجئين المقيمين في معسكر الهول، إلى أنّ سلوك الأطفال واستجاباتهم ليست سوية مقارنة مع الأطفال في الخارج، "فهم يخافون كثيراً، كما أنهم يميلون إلى الانطواء، واستجاباتهم بطيئة"، مضيفة أنّ "وسائل التربية والترفيه والرياضة معدومة في المخيم، كما أنّ المفوضية العليا للاجئين باتت تُغفل وجبات الحليب المخصصة للأطفال، أما وسائل التربية والترفيه والتعليم والرياضة؛ فهي معدومة، وقد طالبنا المفوضية العليا لشؤون اللاجئين بتأمينها، ولكن لا حياة لمن تنادي".
ورداً على سؤال حول ماهية المطلوب لكي يستعيد الأطفال صحتهم النفسية؛ قالت "لا يمكن بحال من الأحوال أن يستعيد هؤلاء الأطفال صحتهم النفسية ما داموا يعيشون في معسكر مغلق، يجب على الأطراف المعنية، وفي مقدمتهما المفوضية العليا لشؤون اللاجئين ووكالة "الأونروا"؛ السعي بشكل جاد وحثيث لإخراج المقيمين من هنا وتمكينهم من العيش في المدن".
مياه آسنة للشرب والغسيل
تطوَّع أحد الشبّان، ويدعى إيهاب التيم، وهو في أواخر العشرينيات من العمر، بمرافقتي خلال تجوالي داخل المعسكر ليطلعني على المرافق العامة.
دورات المياه في المعسكر هي عامة، منها دورات مخصصة للنساء وأخرى مخصصة للرجال، ولأنها لم يتم إنشاؤها وفق متطلبات الشروط الصحية، من جهة العمران وتصريف المياه؛ فإنها باتت مأوى للجرذان والحشرات، وتفوح منها رائحة لا يحتملها بشر، وبالقرب منها أقيمت "حمامات" للاستخدام الشخصي.
المياه في المخيم نوعان؛ مياه للشرب، وأخرى للغسيل والاستحمام. أما مياه الشرب، والتي توزعّها خزاناتٌ كبيرة الحجم على الصنابير الموضوعة بالقرب من الخيم؛ فهي مياه كلسية ولا تخضع بشكل دوري للفحص المخبري للتأكد من خلوها من الجراثيم والبكتيريا والميكروبات، وذلك على الرغم من شكوى اللاجئين في المخيم من التهابات في الجهاز الهضمي وآلام في الكلى. أما بالنسبة لمياه الغسيل؛ فإنّ لها رائحة كريهة وذات لون يميل قليلاً إلى الخضرة والإصفرار.
وأكثر ما يثير الفزع والرعب في المعسكر؛ هو الأفاعي والعقارب المنتشرة بكثافة في المكان، هذه الكائنات التي كثيراً ما تدخل الخيام لتمارس فطرتها في اللسع واللدغ، وفي الغالب يكون الضحية طفلاً صغيراً.
كلمات مفعمة باللوعة والألم
بعد أن سرنا قرابة الساعتين في المخيم؛ دعاني مرافقي إيهاب للدخول إلى خيمته للاستراحة قليلاً. في هذه الخيمة تقيم معه، إضافة لزوجته وطفليه؛ والدته "أم أيمن" وعمته "أم وليد".
العمّة "أم وليد"، وهي امرأة في الستين من عمرها، بدت أكثر الحاضرين رغبة في الحديث، سألتها عن أكثر من يثير قلقلها، فقالت "إني قلقة جداً على زوجي وابني المقيمين في بغداد، واللذين لم يتمكنا من مغادرة العراق، فاللاجئون الفلسطينيون في العراق هم مستهدفون من قبل الاحتلال الأمريكي والعصابات"، ثم أخذت تقصّ عليَّ بعض ما شاهدته قبل مغادرتها العراق من عمليات قتل وتنكيل التي يتعرض لها الفلسطينيون هناك.
وحينما غصّت الخيمة بالزوار الوافدين للجلوس معنا؛ أتاحت "أم وليد" للحاضرين المجال ليدلي كلٌ بدلوه، وكانت كلماتها المفعمة باللوعة والألم على مصير زوجها وابنها وأقاربها في بغداد، قد حدّدت مسار حديث الجلسة، والذي تمحور حول أساليب القتل والتنكيل والقمع التي تُمارس بحق الفلسطينيين على أيدي المحتلين الأمريكيين وعناصر العصابات المسلحة.
وكان تقرير أصدرته مؤخراً الجمعية الفلسطينية لحقوق الإنسان في العراق "راصد"؛ قد أظهر أنّ عدد الاعتداءات على اللاجئين الفلسطينيين في العراق منذ بداية الاحتلال الأمريكي (9 نيسان/أبريل 2003) قد بلغ 662 اعتداء بالأسلحة الخفيفة والمتوسطة، نجم عنها استشهاد 168 فلسطينياً ظلماً بينهم خمس نساء وسبعة أطفال. ويشير تقرير "راصد" إلى أنّ غالبية الجثث تظهر عليها آثار التعذيب والتنكيل وتقطيع الأجساد، لافتاً الانتباه إلى أنّ عدد المفقودين بلغ تسعة، بالإضافة إلى اعتقال أكثر من 68 فلسطينياً في سجون القوات الأمريكية وسجون الداخلية العراقية التي يمارس فيها أشد أنواع التعذيب الجسدي، دون السماح لذوي المعتقلين بالمراجعة أو توكيل محامين أو الاستفسار عن التهم الموجة لأبنائهم.
ويرجع تاريخ الوجود الفلسطيني في العراق، إلى عام 1948، عندما شكل الجيش العراقي في فلسطين إبان النكبة ما يعرف بـ "فوج الكرمل الفلسطيني"، من أبناء بعض القرى جنوبي مدينة حيفا والمثلث، وقام بنقل عائلاتهم في صيف 1948 إلى العراق.
وتعود أصول اللاجئين إلى مناطق مختلفة من فلسطين، أهمها أجزم، وعين غزال، وجبع، والصرفند، والمزار، وعارة، وعرعرة، والطنطورة، والطيرة، وكفر لام، وعتليت، وأم الزينات، وأم الفحم، وعين الحوض، ويقدر عدد الذين وصلوا العراق في 1948 بين ثلاثة آلاف وأربعة آلاف نسمة.
وقد تولت بعد ذلك وزارة الدفاع العراقية، رعاية وإدارة شؤون الفلسطينيين منذ قدومهم إلى عام 1950، حيث تم إسكانهم أول الأمر في معسكرات الجيش في الشعيبة في البصرة، وبعض النوادي في الموصل، وفي المحافظات العراقية (أبو غريب والحويجة)، وبعض المدارس والمباني الحكومية.
وقد استمر الحال هكذا حتى عام 1958، عندما جرى الاتفاق على تكفل الحكومة العراقية برعاية الفلسطينيين، مقابل إعفاء العراق من التزامات مالية مع الأمم المتحدة.
وبعد عام 1950، وانتقال المسؤولية لوزارة الشؤون الاجتماعية؛ فقد أعيد توزيع الفلسطينيين وفق نظام السكن الجماعي في الملاجئ، والمواقع المستملكة من قبل الحكومة العراقية، وقد تزايدت أعدادهم بتواتر قريب من معدل الزيادة السكانية في العراق، ففي 1969، بلغ عدد المسجلين في مديرية شؤون اللاجئين 13743 لاجئاً، بواقع 13208 نسمة في بغداد، و335 نسمة في الموصل، و200 نسمة في البصرة.
وبحسب تقرير للجنة العربية لحقوق الإنسان؛ فإنّ منظمة التحرير الفلسطينية، بعد عشر سنوات، قدرت العدد بما مجموعه 19184، وفي عام 1986 أعطت هيئة الإحصاء بوزارة التخطيط العراقية رقم 27 ألف لاجئ، ومعظم التقديرات تشير إلى أنهم تجاوزوا قرابة 35 ألف لاجئ فلسطيني لعام 2000.
ويتذكر كبار السن من هؤلاء؛ كيف أنّ أغلب الأسر النازحة، قد جاءت من شمال فلسطين، وتحديداً من حيفا، وتولت الحكومات العراقية المتعاقبة على مدار نصف قرن، أمرهم، وتعهدتهم بالسكن والتعليم والصحة، ووزعت عليهم معونات غذائية وطبية بشكل منتظم، الأمر الذي لم يشجعهم على التسجيل في سجلات وكالات الغوث الدولية، وهو ما يعتبره أغلبهم، اليوم، "خطأ جسيماً"، حرمهم من الكثير من الامتيازات التي وفرتها تلك المنظمات للفلسطينيين في دول أخرى، فضلاً عن عدم منحهم وثائق سفر "عراقية".
خيام
قبل أذان المغرب، بقليل، خرجنا من خيمة إيهاب، وشاهدنا أطفالاً يحملون قدور الطعام متجهين إلى إحدى الخيام القريبة من المسجد، وعندما استفسرنا عن مصدر ووجهة هذا الطعام، قالوا بأنّ الأهالي يقدِّمون طعام الإفطار للشبّان الذين ليس لديهم عائلات هنا في المعسكر. دخلت إلى تلك الخيمة، وكانت تتوسطها طاولة وعلى سطحها أخذت قدور الطعام تزاحم أوعية الماء وأباريق شراب "قمر الدين". تناولنا طعام الإفطار ونحن واقفون، فالخيمة خالية من أي كرسي، أو أي شيء يمكنه استخدامه كمقعد.
سألت أحد الشبّان عن مصادر المؤن التي يعتمد عليها الأهالي في المعسكر؛ فقال "إضافة للمساعدات المادية والعينية التي تقدمها لنا حركة حماس؛ تقدم لنا المفوضية العليا لشؤون اللاجئين مواد غذائية بشكل دوري، غير أنّ الكميات التي تقدمها المفوضية ليست كافية"، وتابع "هناك بعض المؤسسات والجمعيات الخيرية الفلسطينية قدمت لنا بعض المساعدات".
وبعد تناول طعام الإفطار في تلك الخيمة وأداء صلاة المغرب في المسجد؛ توجهنا إلى خيمة كبيرة، اصطلح على تسميتها في أوساط اللاجئين هناك بـ "الكافيتريا".
وهذه "الكافتيريا"، التي أنشأها أحد شبّان المعسكر؛ يوجد فيها نحو خمسة عشر كرسياً وثلاث طاولات بلاستيكية، وهي تقدم القهوة والشاي والزهورات والمياه الغازية مقابل ثمن زهيد.
احتسينا الشاي خارج "الكافيتريا"، لنستمتع بنسيم المساء الذي يمر بنا متجهاً إلى جبل سنجار في الأراضي العراقية والذي يُشاهد من داخل المعسكر، وحينها بدأ رجال وشبّان وأطفال المعسكر يتوافدون نحونا.
طفلة وعقرب داخل الخيمة
إيهاب مسَلَّمْ، شابٌ في الثلاثينيات من عمره، جلس قبالتي على حجر حاملاً في حضنه ابنته براء التي لم يتجاوز عمرها ثلاث سنوات، وقال رداً على سؤالٍ عن أحواله "نحن وُلدنا في مدن، ولم نعتد على حياة كهذه الحياة، نحن هنا في المعسكر نخضع لجملة من الضوابط والإجراءات التي تحيل المعسكر إلى سجن، ونحن الشبّان نستطيع أن نتحمل هذا الوضع، ولكن ماذا بشأن أطفالنا ونسائنا؟!". وأضاف الشاب مستطرداً، "ولكنّ الوضع هنا أفضل بكثير من الوضع في معسكر طريبيل، وأفضل بما لا يُقاس من الأوضاع في العراق بالنسبة لنا".
ثم نظر مسلّم إلى طفلته التي أغمضت عينها مستسلمة للنوم، وقال "انظر إليها، قبل يومين لدغها عقرب وهي نائمة داخل الخيمة، فقامت تصرخ من الألم، حملتها وأخذت أركض بها في المخيم، أبحث عمن يساعدني، فهنا في المعسكر لا يوجد طبيب مقيم، وإنما هناك طبيب متطوع يأتينا من القرية المجاورة صباح كل يوم ويمكث هنا مدة ساعة أو ساعتين يعاين خلالها بعض المرضى ثم يغادر".
وتابع الأب قائلاً "اتصلنا بسائق سيارة من القرية المجاورة، وقام بنقلنا إلى منزل طبيب القرية والذي قدَّم لها العلاج"، ثم نظر إلى ابنته ومسّد شعرها، وقبَّل جبينها. سألته عن صحتها الآن؛ فقال "الحمد لله زال عنها الخطر، ولكنها ما زالت تشعر بألم في يدها حيث لدغها العقرب"، وتابع قائلاً "يراودني قلق شديد على ابنتي الثانية التي تبلغ من العمر عدة أشهر، فأنا خائف عليها من أن يلدغها عقرب أو تلسعها أفعى ونحن نيام".
أوضاع مأساوية
وبجانب إيهاب مسلم كان يجلس على كرسي متحرك رجل في الخمسينيات من عمره، يدعى مصطفى رشيد "أبو محمد"، وهو خريج كلية الإدارة والاقتصاد بجامعة البصرة، وكان موظفاً في وزارة النفط العراقية لمدة 13 عاماً. ويعاني "أبو محمد" من ذبحة صدرية ومن مرض الضغط ومرض السكر، إضافة إلى أنه مصاب بشلل الأطفال، وهو متزوج وأب لأربعة أبناء وأربع بنات ثلاث منهن متزوجات ومقيميات في العراق، والرابعة مخطوبة لشاب يقيم في المعسكر، أما أبناؤه الشبّان، فثلاثة منهم معه في المعسكر والرابع آثر البقاء إلى جانب أخواته في بغداد.
سألت "أبا محمد" عن الصعوبات التي يواجهها في المخيم جرّاء حالته الصحية، فقال "هناك آخرون مثلي، لديهم أوضاع صحية صعبة، وآخرون من ذوي الاحتياجات الخاصة، فهناك شاب فاقد لساقه، وهناك رجل يعاني من أمراض في الكلى، وآخر يعاني من مشاكل خطيرة في القلب، وهناك الكثير من الحالات المرضية التي يتطلب وضعها علاجاً ومتابعة خاصة".
وأضاف الأب الفلسطيني المنكوب قوله "نحن نناشد المؤسسات الحقوقية والإنسانية والدولية لزيارة المعسكر والاطِّلاع على أوضاعنا الصعبة والقاسية، كما إننا نناشد السلطة الفلسطينية إصدار جواز سفر لنا يمكننا من التحرك"، وقال مشدداً "أنا أريد أن أحمل هويتي الفلسطينية ولا أريد هوية سواها".
أما الفتى مهند مصطفى توفيق (13 سنة)، والذي كان واقفاً بجانب والده، فقال "أتمنى أن نخرج ونعيش في المدن، أريد أن أكمل دراستي، وأن أعيش كباقي البشر في المنازل، لقد تعبنا من الحياة هنا".
وكان اللاجئون في المخيم قد تقدموا بطلب إلى المفوضية العليا لشؤون اللاجئين ووكالة "الأونروا" والهيئة العامة لشؤون اللاجئين الفلسطينيين في سورية، بالعمل ليُصار إلى نقلهم إلى داخل المدن، وقد تلقوا وعوداً بأن تُحلّ هذه القضية خلال أيام، غير أنّ هذه القضية مرّ عليها إلى الآن أكثر من خمسة أشهر ولم تُحلّ، وما زال اللاجئون يعيشون في المخيم، ولا يستطيعون الخروج منه إلاّ بتصريح خاص ويُمنح بالعادة لأسباب طبية، أي لمراجعة طبيب في القرى المجاورة أو مشفى في المدينة.
يُذكر أنه يقيم في معسكر الهول 306 لاجئين فلسطينيين، بينهم 124 طفلاً تتراوح أعمارهم بين سنة واثنتي عشرة سنة، وهناك 61 امرأة متزوجة و24 فتاة.
من خيمة إلى غرفة
وتقوم المفوضية العامة لشؤون اللاجئين، بالتعاون مع حركة حماس، ببناء غرف للاجئين الفلسطينيين في المعسكر ليُصار إلى نقل اللاجئين إليها، وذلك قبل أن يداهم المعسكر فصل الشتاء برياحه العاتية وبرده القارس.
ويوضح المهندس بسيم الحاج إبراهيم، من جمعية رعاية الطفل وأحد المتطوعين لإنشاء تلك الغرف، أنّ "كل وحدة سكنية تتألف من غرفة وحمام ومطبخ، وجدران الوحدة من الطوب، والسقف من التوتياء"، ويأمل المهندس إبراهيم بأن يتم إسكان اللاجئين في هذه الغرف قبل قدوم فصل الشتاء. وتجدر الإشارة هنا إلى أنّ حركة حماس قدمت الجزء الأكبر من الأموال اللازمة لبناء تلك الوحدات السكنية.
الشيخ محمود صيدم "أبو أحمد"، أحد المقيمين في المعسكر والذي كان في السابق إمام مسجد القدس في بغداد ومسؤول زكاة بغداد عن العرب والفلسطينيين؛ سألته عن رأيه في عملية بناء الغرف، فقال "نحن هنا في المعسكر ننظر بقلق إلى هذا العمار، فنحن لا نريد أن نبقى هنا إلى الأبد، نريد أن نعيش في مدن، نريد أن نعمل، وأن يكمل أبناؤنا دراستهم، نريد أن نعيش كباقي البشر، نحن لا نريد أن نحيا على المساعدات والإعانات، نريد أن نعمل ونأكل بعرق جبيننا".
واستدرك قائلاً "ولكن في المقابل نحن بتنا على أبواب فصل الشتاء، وهناك ضرورة لحماية أبنائنا من الحشرات والأفاعي والعقارب، إضافة لضرورة حمايتهم من برد الشتاء القارس، والخيام هنا لا يمكن أن تؤمن الحماية اللازمة لأبنائنا".
وقبل أن أنهي حديثي مع "أبو أحمد"؛ سألته: ما هو مطلبكم الرئيس أنتم هنا في معسكر الهول، فقال، "مطلبنا الرئيس هو العودة إلى فلسطين"، وأردف مشدداً "سنعود يوماً إلى قرانا ومدننا التي هُجِّرنا منها عام 1948 ظلماً وعدواناً، سنعود ولو طال الانتظار".
قوة الحياة والعودة إلى فلسطين
"العودة إلى فلسطين"، "يجب أن نعود إلى ديارنا"، "لا يمكن أن نحقق كرامتنا خارج بلادنا"، "لا بديل عن العودة إلى مدننا وقرانا"، تلك العبارات كثيراً ما كنت أسمعها أثناء حديثي مع اللاجئين في معسكر الهول.
استرجعت أثناء العودة إلى دمشق الصور التي شاهدتها والكلام الذي سمعته في معسكر أبو الهول، لأخلص إلى ما يكرِّس قناعتي بأنّ قوة الحياة التي يملكها اللاجئون الفلسطينيون، أينما ذهبوا وحيثما حلّوا، مستمدة أصلاً من إصرارهم وتصميمهم على تمسكهم بحق العودة إلى فلسطين.