ابن غزة الصمود
12-28-2005, 02:02 PM
بسم الله الرحمن الرحيم
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
إن الزواج هو ذلك الحلم الذي تنسج حوله القصص والحكايات لكل شاب وفتاة، إلا أن هذا الحلم عندما يتحول إلى واقع تكون له طقوس تختلف من مكان لمكان، بل من زمان لزمان، وتحتفظ كل منطقة في العالم بخصوصيتها في الاحتفال بهذه الطقوس، ولبلاد الشام -ومنها فلسطين- خصوصية متميزة في مراسم الزواج تميزها عن كافة بلدان العالم، ولقد شاهدت أعراسًا في العديد من بلداننا العربية، ولكن يبقى لعرسنا هناك مذاق خاص يملأ نفوسنا بهجة وفرحة وينشر العبير في البلاد.
"حيث" الرجال (يرقصون الدبكة)، وينشد الصغار وتخرج الصبايا والصغار للتهاني، وترفع الزينات، وتسمع "الهاهات" للنساء (الهاهات: هي تشبه الموّال الشعبي تقوم فيه المرأة بسرد محاسن العروس وأهلها أو العريس وأهله بطريقة معينة تتبعها زغاريد النساء)، ويستمر العرس الفلسطيني سبعة أيام تقدم فيه الولائم، وتوجّه الدعوات والعزائم وتستمر الأفراح والزينات.
وللعرس الفلسطيني طقوس خاصة تقوم بها العروس على وجه الخصوص ترتدي في ليلة زفافها العديد والعديد من الفساتين، فتبدأ بلبس الفستان الأبيض في وسط جوٍّ من الأغاني والزغاريد، ثم بعد ذلك تغيره وتلبس فستانًا بلون آخر، وهكذا تظل تغير بدل عرسها واحدة وراء الأخرى كأميرة جميلة تتوج في ذلك اليوم على عرشها، وتفتن بجمالها وجمال أثوابها أعين كل من حولها من الفتيات والنساء، ومع كل بدلة ترتديها ترتدي معها إكسسوارًا خاصًّا به تساعدها في ذلك صديقاتها وأخواتها، وتغير من تسريحة شعرها، وتظل هكذا تبدّل وتغير في عرض تتخلله الأغاني و "الهاهات" الفلسطينية المأخوذة من التراث الفلسطيني، وتلوح بين الحين والآخر للحاضرين بيدها لإظهار الحلي الذي قدمه لها زوجها، سواء كان ذلك من الشبكة أو الهدايا أو ضمن المهر الذي أمهرها إياه، في كل يوم حتى تنقضي الأيام السبعة، وفي يوم الزفاف يأتي العريس ويجلس معها قليلاً في بيت أهلها، ثم يأخذها في طابور من السيارات ليذهب إلى بيت أهله وتقوم العروس مرة أخرى بعملية ارتداء الفساتين وعرضها وتبديلها مرة أخرى.
معظم العائلات في قطاع غزة لا يكون هناك اختلاط في أعراسها ما بين الرجال والنساء، وهو ما يتيح للعروس فرصة تبديل الملابس وتغييرها.. إنه قد يبدو أنه يوم شاق للعروس، ولكنه ممتع أيضًا؛ إذ تشعر الفتاة بأنها حقًّا أميرة الزمان والمكان، وصديقاتها من حولها حور من الجنان.. إنها سعادة الفتاة عندما يصبح حلمها واقعًا معاشًا، وتصبح في ذلك اليوم أجمل النساء تجذب أنظار الجميع من خلال عرضها للملابس في شكل دائري تتخلله بعض الرقصات الفلسطينية، وأحيانًا تتبادل العروس والعريس الرقصات مع بعضهما البعض في حفل سمر غاية في الروعة والجمال ترتسم فيها الفرحة على الوجوه، وتعلو الابتسامات لتلامس السماء، وتسمع الزغاريد في كل مكان، وتذبح الولائم وتوزع على الأهل والجيران.
برغم كل شيء.. سنبقى
هناك في مخيم المغازي يعيش أهلنا بساطة الحياة كحال كل من تشردوا وعاشوا مثلهم في خيمة اللجوء.. هناك في المخيم الناس في الأعراس يفرحون ويذكرون في أفراحهم ديارهم وعزهم، ويأخذ كل فرد في سرد أصله ونسبه وبلده الأصلية، فهذا مدني من يافا، وذاك فلاح من برقة، وذاك بدوي من بئر السبع.
صديقتي كانت كلما تطرقنا في حديثنا عن الزواج كانت تقول لي زوجي ليس كأي رجل، بل إنه كل الرجال في رجل.. أرى فيه قوة أبي، وعطف أخي، وعلم أستاذي، ورجاحة عقل خالي، ودين شيخي في المسجد.. إنه فارسي الذي يتمطى جياده لكي نحلق أنا وهو بأحلامنا فوق تلك الأرض المقدسة؛ لنصنع من ذلك الحلم أسطورة الواقع الذي سيسعد به أطفالنا الصغار في المستقبل القريب، وهنا تنهدت صديقتي وكاد صوتها أن يصل للسماء ورفعت عينها تناجي ربها بتمتمات.. وهنا سألتها: ماذا بك يا حبة القلب؟ فكانت دموعها هي الجواب، صديقتي تأبى أن تتزوج إلا من ذلك الفارس المغوار الذي أظنها ستلتقي به مهما طال الزمان.. فهي موقنة بأنه موجود وقد قرب اللقاء.
صديقتي في المخيم فتاة مدنية أصلها من يافا تلك المدينة الجميلة التي أطلقوا عليها عروس فلسطين؛ لجمالها وكثرة خيراتها.. طردت أسرة صديقتي مثل آلاف الأسر الفلسطينية من مدينة يافا على يد قوات الاحتلال الإسرائيلي، وعاشوا في المخيم وعاشت معهم جروحهم وحنينهم لبلدهم الأصيلة عروس فلسطين.
ولدت وتربت هناك في المخيم، وحلمت مثل كل فتاة بذلك الفارس الذي جاء بعد طول الانتظار، وها قد جاء فارسها الهمام وتحدد موعد الزواج بعد مرور سنة على الخطبة أتم فيها العريس تجهيز بيته وفرشه، وعاشت صديقتي خلال ذلك العام أجمل الذكريات رسمت من خلالها ملامح الحياة التي رسمتها أخلاق خطيبها وتدينه وقربه من ربه، فكانت تقول لي إنه هو... هو يا زينات من انتظرته ورفضت من أجله الجميع حتى يأتي ويعلم الله كم كان قلبي يرقص فرحًا من أجلها، وقلت لها وها قد جاء يا حبيبة، ومتى موعد البناء فقالت يوم 10-10-2000 سيكون يوم ميلاد جديدا لحياتي، ولكنها قالت لكنني سأترك المخيم فضحكت وقلت لها لا تحزني ستذهبين من مخيم لمخيم وعلت ضحكاتنا تملأ الأرجاء، وقلت لها لن أتركك حتى أوصلك بنفسي لبيت زوجك حتى أطمئن أنك لن تعودي.. وعانقتني صديقتي فبكيت فرحًا وسعادة لها.
وها قد جاء موعد البناء الذي انتظره الأهل والخلان..، ولكن تغير الزمان وانتشرت الدموع بين الأهل والجيران، فالأخ قد أصيب، والأب رحل شهيدا، والجار أخذوه عذّبوه غاب عن المخيم لم يَعُد، فهل سيفرح الإنسان في ظل الامتهان، وسياسة الدمار.. والقتل والحرمان؟!! لكن لا بد أن نعيش.. أن نكون.. أن نبقى في المكان.. في الزمان.. أن يبقى كل شيء كما كان نحاول أن نعيش مثل بني البشر حتى في ظل القهر والحرمان، لم يَعُد أمام أهل صديقتي انتظار بعد إلحاح أهل خطيبها، الوضع سوف يطول ولا بد من إتمام الزواج خوفًا على العريس من أن يلاقي حتفه على يد قوات الاحتلال مثله مثل غيره من الشباب، وهنا تبدل العرس الذي طال انتظاره إلى لوحة من الأحزان، وتغيرت معالم الأعراس تبعًا لذلك الظرف، الذي شهدت معه الأرض دماء الأبرياء وبكت له السماء، ومع سقوط الشهيد تلو الشهيد يزداد حرص الأهل على إتمام الزواج خوفًا على عريسهم.
وكان يوم الجمعة موعد البناء، وفي هدوء تام تجمع الأهل والخلان وبدون صوت أو زغرودة مراعاة للحال، فالحزن قد خيَّم على الأهل والجيران، والجميع من حولنا يبكون، وهي ترتدي بدلتها البيضاء وترتسم على وجهها ابتسامة ملائكية تحاول أن تخفي وراءها ذلك الخوف الذي يتملكها، وأنا أتمتم بدعوات حتى ينتهي هذا العرس على خير، وصديقتي تنظر إليّ تحدثني عبر العيون كعادتها تشد من أزري، ثم جاءت لتقبلني، وقالت بصوت خافت لا تخافي يا زينة العيون فلن نموت، فانفجرت بين أحضانها أبكي، فمسحت بيدها دموعي، وقالت حان وقت الصمود لا البكاء.
فقلت لها وأنا على الوعد يا وفاء، وحان وقت رحيلك يا وفاء في موكب العرس الذي طال انتظاره، لكنك لن ترحلي إلا في موكب آخر تبدلين فيه ثوب العرس وتخلعين هذه البدلة الملائكية لكي تحل محلها عباءة سوداء، وتركبين سيارة الإسعاف فقد وضع اليهود عند نتساريم (اسم مستوطنة إسرائيلية في وسط غزة) حواجز يمنعون من خلالها مواكب الأعراس، بل يمنعون كل شيء ولن يسمحوا بالمرور إلا لسيارة الإسعاف.. تعالت الصيحات (حسبي الله ونعم الوكيل) محل الزغاريد، وهكذا انتقلت وفاء لبيت زوجها في عباءة سوداء وسيارة إسعاف وكل ذلك نتيجة الاحتلال، وبرغم كل شيء تزوجت وفاء لتنجب جيوشًا تناهض الاحتلال.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
إن الزواج هو ذلك الحلم الذي تنسج حوله القصص والحكايات لكل شاب وفتاة، إلا أن هذا الحلم عندما يتحول إلى واقع تكون له طقوس تختلف من مكان لمكان، بل من زمان لزمان، وتحتفظ كل منطقة في العالم بخصوصيتها في الاحتفال بهذه الطقوس، ولبلاد الشام -ومنها فلسطين- خصوصية متميزة في مراسم الزواج تميزها عن كافة بلدان العالم، ولقد شاهدت أعراسًا في العديد من بلداننا العربية، ولكن يبقى لعرسنا هناك مذاق خاص يملأ نفوسنا بهجة وفرحة وينشر العبير في البلاد.
"حيث" الرجال (يرقصون الدبكة)، وينشد الصغار وتخرج الصبايا والصغار للتهاني، وترفع الزينات، وتسمع "الهاهات" للنساء (الهاهات: هي تشبه الموّال الشعبي تقوم فيه المرأة بسرد محاسن العروس وأهلها أو العريس وأهله بطريقة معينة تتبعها زغاريد النساء)، ويستمر العرس الفلسطيني سبعة أيام تقدم فيه الولائم، وتوجّه الدعوات والعزائم وتستمر الأفراح والزينات.
وللعرس الفلسطيني طقوس خاصة تقوم بها العروس على وجه الخصوص ترتدي في ليلة زفافها العديد والعديد من الفساتين، فتبدأ بلبس الفستان الأبيض في وسط جوٍّ من الأغاني والزغاريد، ثم بعد ذلك تغيره وتلبس فستانًا بلون آخر، وهكذا تظل تغير بدل عرسها واحدة وراء الأخرى كأميرة جميلة تتوج في ذلك اليوم على عرشها، وتفتن بجمالها وجمال أثوابها أعين كل من حولها من الفتيات والنساء، ومع كل بدلة ترتديها ترتدي معها إكسسوارًا خاصًّا به تساعدها في ذلك صديقاتها وأخواتها، وتغير من تسريحة شعرها، وتظل هكذا تبدّل وتغير في عرض تتخلله الأغاني و "الهاهات" الفلسطينية المأخوذة من التراث الفلسطيني، وتلوح بين الحين والآخر للحاضرين بيدها لإظهار الحلي الذي قدمه لها زوجها، سواء كان ذلك من الشبكة أو الهدايا أو ضمن المهر الذي أمهرها إياه، في كل يوم حتى تنقضي الأيام السبعة، وفي يوم الزفاف يأتي العريس ويجلس معها قليلاً في بيت أهلها، ثم يأخذها في طابور من السيارات ليذهب إلى بيت أهله وتقوم العروس مرة أخرى بعملية ارتداء الفساتين وعرضها وتبديلها مرة أخرى.
معظم العائلات في قطاع غزة لا يكون هناك اختلاط في أعراسها ما بين الرجال والنساء، وهو ما يتيح للعروس فرصة تبديل الملابس وتغييرها.. إنه قد يبدو أنه يوم شاق للعروس، ولكنه ممتع أيضًا؛ إذ تشعر الفتاة بأنها حقًّا أميرة الزمان والمكان، وصديقاتها من حولها حور من الجنان.. إنها سعادة الفتاة عندما يصبح حلمها واقعًا معاشًا، وتصبح في ذلك اليوم أجمل النساء تجذب أنظار الجميع من خلال عرضها للملابس في شكل دائري تتخلله بعض الرقصات الفلسطينية، وأحيانًا تتبادل العروس والعريس الرقصات مع بعضهما البعض في حفل سمر غاية في الروعة والجمال ترتسم فيها الفرحة على الوجوه، وتعلو الابتسامات لتلامس السماء، وتسمع الزغاريد في كل مكان، وتذبح الولائم وتوزع على الأهل والجيران.
برغم كل شيء.. سنبقى
هناك في مخيم المغازي يعيش أهلنا بساطة الحياة كحال كل من تشردوا وعاشوا مثلهم في خيمة اللجوء.. هناك في المخيم الناس في الأعراس يفرحون ويذكرون في أفراحهم ديارهم وعزهم، ويأخذ كل فرد في سرد أصله ونسبه وبلده الأصلية، فهذا مدني من يافا، وذاك فلاح من برقة، وذاك بدوي من بئر السبع.
صديقتي كانت كلما تطرقنا في حديثنا عن الزواج كانت تقول لي زوجي ليس كأي رجل، بل إنه كل الرجال في رجل.. أرى فيه قوة أبي، وعطف أخي، وعلم أستاذي، ورجاحة عقل خالي، ودين شيخي في المسجد.. إنه فارسي الذي يتمطى جياده لكي نحلق أنا وهو بأحلامنا فوق تلك الأرض المقدسة؛ لنصنع من ذلك الحلم أسطورة الواقع الذي سيسعد به أطفالنا الصغار في المستقبل القريب، وهنا تنهدت صديقتي وكاد صوتها أن يصل للسماء ورفعت عينها تناجي ربها بتمتمات.. وهنا سألتها: ماذا بك يا حبة القلب؟ فكانت دموعها هي الجواب، صديقتي تأبى أن تتزوج إلا من ذلك الفارس المغوار الذي أظنها ستلتقي به مهما طال الزمان.. فهي موقنة بأنه موجود وقد قرب اللقاء.
صديقتي في المخيم فتاة مدنية أصلها من يافا تلك المدينة الجميلة التي أطلقوا عليها عروس فلسطين؛ لجمالها وكثرة خيراتها.. طردت أسرة صديقتي مثل آلاف الأسر الفلسطينية من مدينة يافا على يد قوات الاحتلال الإسرائيلي، وعاشوا في المخيم وعاشت معهم جروحهم وحنينهم لبلدهم الأصيلة عروس فلسطين.
ولدت وتربت هناك في المخيم، وحلمت مثل كل فتاة بذلك الفارس الذي جاء بعد طول الانتظار، وها قد جاء فارسها الهمام وتحدد موعد الزواج بعد مرور سنة على الخطبة أتم فيها العريس تجهيز بيته وفرشه، وعاشت صديقتي خلال ذلك العام أجمل الذكريات رسمت من خلالها ملامح الحياة التي رسمتها أخلاق خطيبها وتدينه وقربه من ربه، فكانت تقول لي إنه هو... هو يا زينات من انتظرته ورفضت من أجله الجميع حتى يأتي ويعلم الله كم كان قلبي يرقص فرحًا من أجلها، وقلت لها وها قد جاء يا حبيبة، ومتى موعد البناء فقالت يوم 10-10-2000 سيكون يوم ميلاد جديدا لحياتي، ولكنها قالت لكنني سأترك المخيم فضحكت وقلت لها لا تحزني ستذهبين من مخيم لمخيم وعلت ضحكاتنا تملأ الأرجاء، وقلت لها لن أتركك حتى أوصلك بنفسي لبيت زوجك حتى أطمئن أنك لن تعودي.. وعانقتني صديقتي فبكيت فرحًا وسعادة لها.
وها قد جاء موعد البناء الذي انتظره الأهل والخلان..، ولكن تغير الزمان وانتشرت الدموع بين الأهل والجيران، فالأخ قد أصيب، والأب رحل شهيدا، والجار أخذوه عذّبوه غاب عن المخيم لم يَعُد، فهل سيفرح الإنسان في ظل الامتهان، وسياسة الدمار.. والقتل والحرمان؟!! لكن لا بد أن نعيش.. أن نكون.. أن نبقى في المكان.. في الزمان.. أن يبقى كل شيء كما كان نحاول أن نعيش مثل بني البشر حتى في ظل القهر والحرمان، لم يَعُد أمام أهل صديقتي انتظار بعد إلحاح أهل خطيبها، الوضع سوف يطول ولا بد من إتمام الزواج خوفًا على العريس من أن يلاقي حتفه على يد قوات الاحتلال مثله مثل غيره من الشباب، وهنا تبدل العرس الذي طال انتظاره إلى لوحة من الأحزان، وتغيرت معالم الأعراس تبعًا لذلك الظرف، الذي شهدت معه الأرض دماء الأبرياء وبكت له السماء، ومع سقوط الشهيد تلو الشهيد يزداد حرص الأهل على إتمام الزواج خوفًا على عريسهم.
وكان يوم الجمعة موعد البناء، وفي هدوء تام تجمع الأهل والخلان وبدون صوت أو زغرودة مراعاة للحال، فالحزن قد خيَّم على الأهل والجيران، والجميع من حولنا يبكون، وهي ترتدي بدلتها البيضاء وترتسم على وجهها ابتسامة ملائكية تحاول أن تخفي وراءها ذلك الخوف الذي يتملكها، وأنا أتمتم بدعوات حتى ينتهي هذا العرس على خير، وصديقتي تنظر إليّ تحدثني عبر العيون كعادتها تشد من أزري، ثم جاءت لتقبلني، وقالت بصوت خافت لا تخافي يا زينة العيون فلن نموت، فانفجرت بين أحضانها أبكي، فمسحت بيدها دموعي، وقالت حان وقت الصمود لا البكاء.
فقلت لها وأنا على الوعد يا وفاء، وحان وقت رحيلك يا وفاء في موكب العرس الذي طال انتظاره، لكنك لن ترحلي إلا في موكب آخر تبدلين فيه ثوب العرس وتخلعين هذه البدلة الملائكية لكي تحل محلها عباءة سوداء، وتركبين سيارة الإسعاف فقد وضع اليهود عند نتساريم (اسم مستوطنة إسرائيلية في وسط غزة) حواجز يمنعون من خلالها مواكب الأعراس، بل يمنعون كل شيء ولن يسمحوا بالمرور إلا لسيارة الإسعاف.. تعالت الصيحات (حسبي الله ونعم الوكيل) محل الزغاريد، وهكذا انتقلت وفاء لبيت زوجها في عباءة سوداء وسيارة إسعاف وكل ذلك نتيجة الاحتلال، وبرغم كل شيء تزوجت وفاء لتنجب جيوشًا تناهض الاحتلال.