محمد السيد
12-07-2005, 07:01 PM
فضائل
المسجد الأقصى
في الكتاب العزيز ، والسنة الصحيحة
إعداد هشام بن فهمي العارف
بسم الله الرحمن الرحيم
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ، وسيئات أعمالنا ، من يهده الله ، فلا مضل له ن ومن يضلل فلا هادي له ، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله .
أما بعد :
فالمسجد الأقصى هو المسجد الثاني الذي وضع في الأرض بعد المسجد الحرام ، وهو قبلة المسلمين الأولى ، وهو منبر دعوة التوحيد ، فالأنبياء ـ صلوات الله وسـلامه عليهم ـ أقاموا يدعون فيه من ضل إلى الهدى ، ويبصَِّرون الناس بتوحيد أسماء ربهم وصفاته ـ جل وعلا ـ ، وأنه لا معبود بحق إلا الله .
هاجر إليه إبراهيم ـ عليه السلام ـ وأقام يدعو فيه إلى توحيد الله ـ تعالى ـ ، وفعل ذلك من بعده ابنه ـ النبي ـ إسحاق ، ومن بعد إسحاق ـ ابنه ـ يعقـوب "إسرائيل" ـ عليهم الصلاة والسلام ـ .
وبنو إسرائيل سلالة النبي ـ يعقوب ـ أمة مسلمة ، سبقت أمة محمد r وفيـها العـبرة ، وقد فضلها الله على غيرها من الأمم ـ في وقتها ـ فقال ـ تعالى ـ في سورة البقرة: (يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِي الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ(47)، وقال ـ تعالى ـ في سورة الجاثية : (وَلَقَدْ آتَيْنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنْ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ). فكان فيهم بعد يعقوب : يوسـف ، وموسى ، ويوشع بن نون ، وسليمان ، وداود ، وزكريا ، ويحيى ، وعيسى ـ عليهم الصلاة والسلام ـ وغيرهم من الأنبياء كثير ، وكان من تفضيل الله ـ تعالى ـ لهم أنهم خرجوا من مصر ؛ من تحت ظلم فرعون الكافر قال ـ تعالى ـ : (وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ الْحُسْنَى عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ بِمَا صَبَرُوا ) ، ومما تفضل الله عليهم أنه : بوأهم بلاد الشام وبيت المقدس ؛ قال ـ تعالى ـ (وَلَقَدْ بَوَّأْنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ مُبَوَّأَ صِدْقٍ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنْ الطَّيِّبَاتِ) قاله : قتادة ، أخرج قوله ابن جرير ، وابن أبي حاتم ، وعبد الرزاق ، بأسانيد صحيحـة ، لكن بني إسرائيل بعد أجيال عصوا ، وضلوا ، وابتدعوا ، واتبعوا أهواءهم ، قال ـ تعالى ـ في سورة المائدة : (لَقَدْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَأَرْسَلْنَا إِلَيْهِمْ رُسُلاً كُلَّمَا جَاءَهُمْ رَسُولٌ بِمَا لا تَهْوَى أَنفُسُهُمْ فَرِيقًا كَذَّبُوا وَفَرِيقًا يَقْتُلُونَ(70) ومع تجاوز الحد في الطغيان ، والتعمق في الضلال ، والشرك بالله ، لُعن الذين كفروا منهم ، قال ـ تعالى ـ في سورة المائدة : (لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُدَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ(78).
لذلك لما جاء الحديث عن الإسراء في مطلع سورة الإسراء ـ في الآية الأولى منها ـ ؛ جاء الحديث عن بني إسرائيل عقبها ـ في الآية الثانية ـ قال ـ تعالى ـ : (وَآتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَجَعَلْنَاهُ هُدًى لِبَنِي إِسْرَائِيلَ أَلاَّ تَتَّخِذُوا مِنْ دُونِي وَكِيلاً(2) .
وانتهت أمة بني إسرائيل بوقوعها في الفساد مرتين وهو الذي أعلمها الله إياه ، فالفساد الذي وقعت فيه بني إسرائيل هو الذي منعها من مواصلة مهمتها في الأفضلية والخيرية ، إذ لم يقدروا النعمة التي أنعمها الله ـ تعالى ـ عليهم ، ولم يشكروه عليها ، فآلت لأمة محمد r الذي هو من نسل إسماعيل ولد إبراهيم ـ عليهمـا السلام ـ .
وعلى أمة محمد r الاعتبار مما وقعت فيـه بني إسرائيل ، وقد انعم الله عليها بحفظ القرآن ، والسنة الصحيحة ، وما كان عليه الصحابة ـ رضوان الله عنهـم ـ من فهم لنصوص الوحي ، تناقلها الأئمة العلماء الذين هم ورثة الأنبياء عبر القرون إلى يومنا هذا قال ـ تعالى ـ في سورة الإسراء : (إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا(9).
وجاءت حادثة الإسراء بالنبي محمد r لتؤكد على وحدة الرسالة ، وبركة المكان ، لذلك صلَّى النبي r في المسجد الأقصى إماماً بالأنبياء والمرسلين ، ومنه عرج ـ صلوات الله وسلامه عليه ـ إلى السماء .
قُدِّس المسجد الأقصى فهو مُقَدس وسمي "بيت المقدس" لأنه منارةٌ للتوحيد مُطَهَّر من الشرك والضلالة ، والله ـ تعالى ـ بارك فيه ، وبارك ما حوله من البلاد ، قال ـ تعالى ـ في سورة الإسراء : (سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِنْ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الأقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّه هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ(1) .
وقوله ـ تعالى ـ : (سُبْحَانَ) ، معناه التنزيه والتبرئة والتبعيد ، وسبحت الله : أي نزهته وبرأته مما لا يليق بجلاله ، وأصل المعنى والاشتقاق : كما قال الخطابي: باعدته مما لا يليق به . قال الإمام أحمد "لايوصف الله إلا بما وصف نفسه ، أو وصفه به رسوله r لا نتجاوز القرآن والسنة".
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية في "منهاج السنة" (2/523) : "وطريقة سلف الأمة وأئمتها أنهم يصفون الله بما وصف به نفسه ، وبما وصفه به رسولـه ، مـن غير تحريف ، ولا تعطيل ، ولا تكييف ، ولا تمثيل ، إثبات بلا تمثيل ، وتنزيه بلا تعطيل ، إثبات الصفات ونفي مماثلة المخلوقات قال تعالى : (ليس كمثله شيء) فهذا رد على الممثلة ، (وهو السميع البصير) رد على المعطلة . وقولهم في الصفات مبني على أصلين : أحدهما : أن الله ـ سبحانه وتعالى ـ منزه عن صفات النقص مطلقاً كالسنة ، والنوم ، والعجز ، والجهل ، وغير ذلك .
والثاني: أنه متصف بصفات الكمال التي لا نقص فيها على وجه الاختصاص بما له من الصفات، فلا يماثله شيء من المخلوقات في شيء من الصفات". أ . هـ
وفيما تقدم رد على المبتدعة من أمثال الأشاعرة ومن وافقهم ، الذين خرجوا عن فهم أهل الحديث والسلف في توحيد الأسماء والصفات ، وأن توحيد الأسماء والصفات أساس مهم في توحيد الأمة المسلمة ، وما التفرق الحاصل أغلبه في الأمة إلا من هذا الباب ، وقد نبه النبي r إلى خطورة الضلال عن معرفة الله فقال: "إن بني إسرائيل افترقت على إحدى وسبعين فرقة ، وإن أمتي ستفترق على ثنتين وسبعين فرقة كلها في النار إلا واحدة وهى الجماعة" ـ وفي رواية ـ "ما أنا عليه وأصحابي".
وقوله ـ تعالى ـ (بِعَبْدِهِ) : هي إضافة التشريف والتنويه بالذكر، واستخدامه في طاعته وتنفيذ أمره، فقد ثبت من قوله r فيما أخرجه الحاكم وهو في "الصحيحة" (2550): "يا أيها الناس! لا ترفعوني فوق قدري، فإن الله اتخذني عبداً قبل أن يتخذني نبياً".
وفي هذا بيان لدفع من توهم رفع منزلته r عن كونه عبداً لله ، فمن عظَّمه التعظيم غير اللائق به فقد أعظم على الله الفرية ، قال العلماء فيما نقله القرطبي في "الجامع": لو كان للنبي r أشرف منه لسماه به في تلك الحالة العلية .
وبلاد الشام بلاد مقدسة مباركة بنص الكتاب والسنة الصحيحة ، وبلاد الشام مهـاجر إبراهيم r وبالتالي فهي مهاجر خيار أهل الأرض بنص الحديث الصحيح ، فعليكم بالشام كما قال النبي r فإنها خيرة الله من أرضه ، وإليها يجتبي حزبه من عباده ، وبلاد الشام محل الطائفة المنصورة ، الذين آخرهم يقاتلون مع المسيح ابن مريم المسيح الدجال ، فهي أرض رباط وثغر مهم من ثغور بلاد المسلمين ، وهي عقر دار المؤمنين إذا وقعت الفتن ، وهي محل كثير من أشراط الساعة في آخر الزمان ، وهي أرض المحشر والمنشر .
إن من آثار البركة في أهلها المؤمنين على منهاج النبوة ، أنهم قلب الأمة النابض ، بهم تنبض حياتها ، فعلى المؤمنين أن يعولوا عليهم خيراً ، ولم لا وقد زكاهم النبي r بأكثر من حديث ، فهم أحق الناس بعمارة الأرض المقدسة ، عمارة الأرض المباركة ، قال قرة ـ رضي الله عنه ـ : قال رسول الله r : "إذا فسد أهل الشام فلا خير فيكم ، لا تزال طائفة من أمتي منصورين ، لا يضرهم من خذلهم حتى تقوم الساعة" .
ومن فضائل المسجد الأقصى : أنه واحد من المساجد الثلاثة التي تشد إليها الرحال ، وهو واحد من المساجد الثلاثة التي يعتكف فيها ، والصلاة فيه كمئتي صلاة وخمسين في الأجر والثواب ، ويرجى للموحد الذي صلى فيه أن يخرج من خطيئته كيوم ولدته أمه .
والمسجد الأقصى محل حسد الكفار والمشركين وأعوانهم من المنافقين ؛ من أهل البدع المارقين ، الذين يجتهدون على إفساد عقيدة المسلمين ويعملون على تفريق كلمة الدين .
وفي الحديث الصحيح قوله r: "فَرَبَطْتُهُ ـ يعني البراق ـ بِالْحَلْقَةِ الَّتِي يَرْبِطُ بِهِ الأنْبِيَاءُ"، وإن كان ربط الدواب كما قال البيهقي ـ رحمه الله ـ عادة معهودة، ؛ إلا أن لعملية ربط البراق بالحلقة التي يربط به الأنبياء في المسجد الأقصى مغزى ، وفوائد ، ومعاني ، يجب أن لا نغفل عنها ؛ ومنها :
أن الطريق الذي سلكته الأنبياء هو طريق واحـد ، وعلى الدعاة إلى الله على بصيرة أن يسلكوه ، وأنهم لمـا مروا ـ عليهم السلام ـ من خلال المسجد الأقصى الواحد تلو الآخر ، أكدوا على منهجهم الواحد في عبوديتهم لله تعالى ، وفي ذلك إشارة هامة إلى أهمية المكان وفضيلته ، إذ هو أهل للبركة والمرابطة . وهو مكان المعجزة حين ينادي الحجر والشجر على من أخلص عبوديته لله ليخلص الناس من شر من غضب الله عليهم ، لما تقدم في علم الله السابق أنه محل صراع فريقين من الناس :
فريق أحب الانتساب لله أو الانتساب لمحمد r ادعاء لا حقيقة فصرف عبوديته لغير الله ، أو عظم أحداً من الأنبياء تعظيماً لا يليق به ، أو انتهج منهجاً غير منهج النبوة .
وفريق أحب الانتساب لله عبودية خالصة له كما بيَّن الله وأمر ، فانتهج منهج الأنبياء الذين تقدمهم محمد r.
وكلا الفريقين لما تعرضا لفتنة المسيح الدجال في آخر الزمان وهي فتنة كبيرة حذر منها النبي r، صار الفصل إلى المسيح عيسى ابن مريم ـ عليه السلام ـ. فمن كان في صف المسيح عيسى سلم ، ومن كان في صف الدجال ؛ الله ـ عز وجل ـ منه ينتقم .
فالمسجد الأقصى محروس ـ بفضل من الله تعالى ـ من هجمة الدجال فلا يدخله ؛ وإذا نزل المسيح ابن مريم على المنارة البيضاء بدمشق يلحقه ؛ فيدركه بباب لد فيقتله .
[/color]).
المسجد الأقصى
في الكتاب العزيز ، والسنة الصحيحة
إعداد هشام بن فهمي العارف
بسم الله الرحمن الرحيم
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ، وسيئات أعمالنا ، من يهده الله ، فلا مضل له ن ومن يضلل فلا هادي له ، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله .
أما بعد :
فالمسجد الأقصى هو المسجد الثاني الذي وضع في الأرض بعد المسجد الحرام ، وهو قبلة المسلمين الأولى ، وهو منبر دعوة التوحيد ، فالأنبياء ـ صلوات الله وسـلامه عليهم ـ أقاموا يدعون فيه من ضل إلى الهدى ، ويبصَِّرون الناس بتوحيد أسماء ربهم وصفاته ـ جل وعلا ـ ، وأنه لا معبود بحق إلا الله .
هاجر إليه إبراهيم ـ عليه السلام ـ وأقام يدعو فيه إلى توحيد الله ـ تعالى ـ ، وفعل ذلك من بعده ابنه ـ النبي ـ إسحاق ، ومن بعد إسحاق ـ ابنه ـ يعقـوب "إسرائيل" ـ عليهم الصلاة والسلام ـ .
وبنو إسرائيل سلالة النبي ـ يعقوب ـ أمة مسلمة ، سبقت أمة محمد r وفيـها العـبرة ، وقد فضلها الله على غيرها من الأمم ـ في وقتها ـ فقال ـ تعالى ـ في سورة البقرة: (يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِي الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ(47)، وقال ـ تعالى ـ في سورة الجاثية : (وَلَقَدْ آتَيْنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنْ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ). فكان فيهم بعد يعقوب : يوسـف ، وموسى ، ويوشع بن نون ، وسليمان ، وداود ، وزكريا ، ويحيى ، وعيسى ـ عليهم الصلاة والسلام ـ وغيرهم من الأنبياء كثير ، وكان من تفضيل الله ـ تعالى ـ لهم أنهم خرجوا من مصر ؛ من تحت ظلم فرعون الكافر قال ـ تعالى ـ : (وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ الْحُسْنَى عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ بِمَا صَبَرُوا ) ، ومما تفضل الله عليهم أنه : بوأهم بلاد الشام وبيت المقدس ؛ قال ـ تعالى ـ (وَلَقَدْ بَوَّأْنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ مُبَوَّأَ صِدْقٍ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنْ الطَّيِّبَاتِ) قاله : قتادة ، أخرج قوله ابن جرير ، وابن أبي حاتم ، وعبد الرزاق ، بأسانيد صحيحـة ، لكن بني إسرائيل بعد أجيال عصوا ، وضلوا ، وابتدعوا ، واتبعوا أهواءهم ، قال ـ تعالى ـ في سورة المائدة : (لَقَدْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَأَرْسَلْنَا إِلَيْهِمْ رُسُلاً كُلَّمَا جَاءَهُمْ رَسُولٌ بِمَا لا تَهْوَى أَنفُسُهُمْ فَرِيقًا كَذَّبُوا وَفَرِيقًا يَقْتُلُونَ(70) ومع تجاوز الحد في الطغيان ، والتعمق في الضلال ، والشرك بالله ، لُعن الذين كفروا منهم ، قال ـ تعالى ـ في سورة المائدة : (لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُدَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ(78).
لذلك لما جاء الحديث عن الإسراء في مطلع سورة الإسراء ـ في الآية الأولى منها ـ ؛ جاء الحديث عن بني إسرائيل عقبها ـ في الآية الثانية ـ قال ـ تعالى ـ : (وَآتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَجَعَلْنَاهُ هُدًى لِبَنِي إِسْرَائِيلَ أَلاَّ تَتَّخِذُوا مِنْ دُونِي وَكِيلاً(2) .
وانتهت أمة بني إسرائيل بوقوعها في الفساد مرتين وهو الذي أعلمها الله إياه ، فالفساد الذي وقعت فيه بني إسرائيل هو الذي منعها من مواصلة مهمتها في الأفضلية والخيرية ، إذ لم يقدروا النعمة التي أنعمها الله ـ تعالى ـ عليهم ، ولم يشكروه عليها ، فآلت لأمة محمد r الذي هو من نسل إسماعيل ولد إبراهيم ـ عليهمـا السلام ـ .
وعلى أمة محمد r الاعتبار مما وقعت فيـه بني إسرائيل ، وقد انعم الله عليها بحفظ القرآن ، والسنة الصحيحة ، وما كان عليه الصحابة ـ رضوان الله عنهـم ـ من فهم لنصوص الوحي ، تناقلها الأئمة العلماء الذين هم ورثة الأنبياء عبر القرون إلى يومنا هذا قال ـ تعالى ـ في سورة الإسراء : (إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا(9).
وجاءت حادثة الإسراء بالنبي محمد r لتؤكد على وحدة الرسالة ، وبركة المكان ، لذلك صلَّى النبي r في المسجد الأقصى إماماً بالأنبياء والمرسلين ، ومنه عرج ـ صلوات الله وسلامه عليه ـ إلى السماء .
قُدِّس المسجد الأقصى فهو مُقَدس وسمي "بيت المقدس" لأنه منارةٌ للتوحيد مُطَهَّر من الشرك والضلالة ، والله ـ تعالى ـ بارك فيه ، وبارك ما حوله من البلاد ، قال ـ تعالى ـ في سورة الإسراء : (سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِنْ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الأقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّه هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ(1) .
وقوله ـ تعالى ـ : (سُبْحَانَ) ، معناه التنزيه والتبرئة والتبعيد ، وسبحت الله : أي نزهته وبرأته مما لا يليق بجلاله ، وأصل المعنى والاشتقاق : كما قال الخطابي: باعدته مما لا يليق به . قال الإمام أحمد "لايوصف الله إلا بما وصف نفسه ، أو وصفه به رسوله r لا نتجاوز القرآن والسنة".
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية في "منهاج السنة" (2/523) : "وطريقة سلف الأمة وأئمتها أنهم يصفون الله بما وصف به نفسه ، وبما وصفه به رسولـه ، مـن غير تحريف ، ولا تعطيل ، ولا تكييف ، ولا تمثيل ، إثبات بلا تمثيل ، وتنزيه بلا تعطيل ، إثبات الصفات ونفي مماثلة المخلوقات قال تعالى : (ليس كمثله شيء) فهذا رد على الممثلة ، (وهو السميع البصير) رد على المعطلة . وقولهم في الصفات مبني على أصلين : أحدهما : أن الله ـ سبحانه وتعالى ـ منزه عن صفات النقص مطلقاً كالسنة ، والنوم ، والعجز ، والجهل ، وغير ذلك .
والثاني: أنه متصف بصفات الكمال التي لا نقص فيها على وجه الاختصاص بما له من الصفات، فلا يماثله شيء من المخلوقات في شيء من الصفات". أ . هـ
وفيما تقدم رد على المبتدعة من أمثال الأشاعرة ومن وافقهم ، الذين خرجوا عن فهم أهل الحديث والسلف في توحيد الأسماء والصفات ، وأن توحيد الأسماء والصفات أساس مهم في توحيد الأمة المسلمة ، وما التفرق الحاصل أغلبه في الأمة إلا من هذا الباب ، وقد نبه النبي r إلى خطورة الضلال عن معرفة الله فقال: "إن بني إسرائيل افترقت على إحدى وسبعين فرقة ، وإن أمتي ستفترق على ثنتين وسبعين فرقة كلها في النار إلا واحدة وهى الجماعة" ـ وفي رواية ـ "ما أنا عليه وأصحابي".
وقوله ـ تعالى ـ (بِعَبْدِهِ) : هي إضافة التشريف والتنويه بالذكر، واستخدامه في طاعته وتنفيذ أمره، فقد ثبت من قوله r فيما أخرجه الحاكم وهو في "الصحيحة" (2550): "يا أيها الناس! لا ترفعوني فوق قدري، فإن الله اتخذني عبداً قبل أن يتخذني نبياً".
وفي هذا بيان لدفع من توهم رفع منزلته r عن كونه عبداً لله ، فمن عظَّمه التعظيم غير اللائق به فقد أعظم على الله الفرية ، قال العلماء فيما نقله القرطبي في "الجامع": لو كان للنبي r أشرف منه لسماه به في تلك الحالة العلية .
وبلاد الشام بلاد مقدسة مباركة بنص الكتاب والسنة الصحيحة ، وبلاد الشام مهـاجر إبراهيم r وبالتالي فهي مهاجر خيار أهل الأرض بنص الحديث الصحيح ، فعليكم بالشام كما قال النبي r فإنها خيرة الله من أرضه ، وإليها يجتبي حزبه من عباده ، وبلاد الشام محل الطائفة المنصورة ، الذين آخرهم يقاتلون مع المسيح ابن مريم المسيح الدجال ، فهي أرض رباط وثغر مهم من ثغور بلاد المسلمين ، وهي عقر دار المؤمنين إذا وقعت الفتن ، وهي محل كثير من أشراط الساعة في آخر الزمان ، وهي أرض المحشر والمنشر .
إن من آثار البركة في أهلها المؤمنين على منهاج النبوة ، أنهم قلب الأمة النابض ، بهم تنبض حياتها ، فعلى المؤمنين أن يعولوا عليهم خيراً ، ولم لا وقد زكاهم النبي r بأكثر من حديث ، فهم أحق الناس بعمارة الأرض المقدسة ، عمارة الأرض المباركة ، قال قرة ـ رضي الله عنه ـ : قال رسول الله r : "إذا فسد أهل الشام فلا خير فيكم ، لا تزال طائفة من أمتي منصورين ، لا يضرهم من خذلهم حتى تقوم الساعة" .
ومن فضائل المسجد الأقصى : أنه واحد من المساجد الثلاثة التي تشد إليها الرحال ، وهو واحد من المساجد الثلاثة التي يعتكف فيها ، والصلاة فيه كمئتي صلاة وخمسين في الأجر والثواب ، ويرجى للموحد الذي صلى فيه أن يخرج من خطيئته كيوم ولدته أمه .
والمسجد الأقصى محل حسد الكفار والمشركين وأعوانهم من المنافقين ؛ من أهل البدع المارقين ، الذين يجتهدون على إفساد عقيدة المسلمين ويعملون على تفريق كلمة الدين .
وفي الحديث الصحيح قوله r: "فَرَبَطْتُهُ ـ يعني البراق ـ بِالْحَلْقَةِ الَّتِي يَرْبِطُ بِهِ الأنْبِيَاءُ"، وإن كان ربط الدواب كما قال البيهقي ـ رحمه الله ـ عادة معهودة، ؛ إلا أن لعملية ربط البراق بالحلقة التي يربط به الأنبياء في المسجد الأقصى مغزى ، وفوائد ، ومعاني ، يجب أن لا نغفل عنها ؛ ومنها :
أن الطريق الذي سلكته الأنبياء هو طريق واحـد ، وعلى الدعاة إلى الله على بصيرة أن يسلكوه ، وأنهم لمـا مروا ـ عليهم السلام ـ من خلال المسجد الأقصى الواحد تلو الآخر ، أكدوا على منهجهم الواحد في عبوديتهم لله تعالى ، وفي ذلك إشارة هامة إلى أهمية المكان وفضيلته ، إذ هو أهل للبركة والمرابطة . وهو مكان المعجزة حين ينادي الحجر والشجر على من أخلص عبوديته لله ليخلص الناس من شر من غضب الله عليهم ، لما تقدم في علم الله السابق أنه محل صراع فريقين من الناس :
فريق أحب الانتساب لله أو الانتساب لمحمد r ادعاء لا حقيقة فصرف عبوديته لغير الله ، أو عظم أحداً من الأنبياء تعظيماً لا يليق به ، أو انتهج منهجاً غير منهج النبوة .
وفريق أحب الانتساب لله عبودية خالصة له كما بيَّن الله وأمر ، فانتهج منهج الأنبياء الذين تقدمهم محمد r.
وكلا الفريقين لما تعرضا لفتنة المسيح الدجال في آخر الزمان وهي فتنة كبيرة حذر منها النبي r، صار الفصل إلى المسيح عيسى ابن مريم ـ عليه السلام ـ. فمن كان في صف المسيح عيسى سلم ، ومن كان في صف الدجال ؛ الله ـ عز وجل ـ منه ينتقم .
فالمسجد الأقصى محروس ـ بفضل من الله تعالى ـ من هجمة الدجال فلا يدخله ؛ وإذا نزل المسيح ابن مريم على المنارة البيضاء بدمشق يلحقه ؛ فيدركه بباب لد فيقتله .
[/color]).